ماذا لو لم يكن التلاعب بالعقول مشكلة الموظف… بل مشكلة الإدارة؟
الدكتورة رانيا ابوغوش
في بعض المؤسسات، لا يحتاج المدير إلى أن يأمر الموظف.
يكفي أن يعرف ما الذي يخيفه.
الخوف من فقدان الوظيفة.
الحاجة إلى التقدير.
الرغبة في الترقّي.
الخوف من الرفض.
أو حتى حاجة الإنسان لأن يشعر بأنه “جزء من الدائرة”.
هنا يبدأ التلاعب.
لكن المفارقة الأخطر؟
المدير نفسه قد يكون عالقًا في اللعبة.
قد يتلاعب بالموظفين لأنه يخشى فقدان السيطرة، أو يخشى أن يظهر ضعيفًا أمام الإدارة العليا، أو يحتاج إلى إثبات أنه قادر على التحكم بالفريق.
وهكذا يصبح لدينا طرفان تحكمهما نقاط ضعفهما:
موظف يبحث عن الأمان… ومدير يبحث عن السيطرة.
قد تنتج هذه المعادلة مؤسسة تبدو ناجحة من الخارج:
أرقام تتحسن.
اعتراضات تختفي.
الأوامر تُنفّذ.
الاجتماعات تصبح أكثر هدوءًا.
لكن ماذا لو كان هذا الهدوء هو أول أعراض الخطر؟
ماذا لو كان الموظفون لا يوافقون… بل يخافون؟
ماذا لو كانت مقاومة التغيير قد اختفت لأن الناس توقفوا عن الكلام، لا لأنهم اقتنعوا؟
ماذا لو كان المدير يعتقد أنه بنى ثقافة انضباط، بينما هو في الحقيقة بنى ثقافة صمت؟
التلاعب قد يكون فعالًا.
وهذه تحديدًا هي خطورته.
لأنه قد ينجح تكتيكيًا ويفشل استراتيجيًا.
فالإنسان الذي يعمل خوفًا منك سيبحث عن مخرج عندما تتاح له الفرصة.
أما الإنسان الذي يعمل اقتناعًا معك، فسوف يبحث عن حل عندما تواجه المؤسسة الأزمة.
من واقع خبرتي وتراكم عملي في الإدارة والاستشارات، أرى أن الفارق بين التأثير والتلاعب ليس في النتيجة الظاهرة، بل في الحرية التي تُترك للإنسان أثناء اتخاذ القرار.
التأثير يقول:
“افهم الصورة، ثم اختر.”
التلاعب يقول:
“سأدفعك إلى الاختيار الذي أريده، دون أن تشعر أنني دفعتك.”
وهنا يبدأ السؤال الذي يجب أن يقلق كل قائد:
ماذا لو كان أخطر موظف في مؤسستك ليس من يرفض قراراتك… بل من يوافق عليها دائمًا؟
وماذا لو كان أخطر مؤشر على ضعف القيادة ليس ارتفاع معدل الاستقالات…
بل اختفاء الأصوات المعارضة؟
المؤسسات القوية لا تحتاج إلى عقول مطيعة.
تحتاج إلى عقول حرة، واعية، قادرة على الاختلاف، ثم قادرة على الالتزام عندما يُتخذ القرار.
فالسيطرة قد تنتج الامتثال.
لكن الثقة وحدها تستطيع أن تنتج الولاء.
وهنا تبدأ القيادة الحقيقية



التعليقات مغلقة.