صحيفة الكترونية اردنية شاملة

من تعافي الأرقام إلى استدامة الأثر: ملامح المعادلة الاقتصادية الجديدة للأردن

بقلم: د. رانيا أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي
في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة والإقليمية المتقلبة، لم يعد قياس عافية الاقتصاد الوطني مرتهنًا بقراءة جزئية لمؤشر منفرد؛ فالاقتصادات الحديثة لا تُدار بالتركيز على تحقيق قفزات رقمية مؤقتة، بل بالقدرة على إحداث أثر مستدام يحمي الاستقرار الكلي ويُعزز من مرونة الدولة أمام الأزمات.
استنادًا إلى ورقة السياسات الصادرة عن منتدى الاستراتيجيات الأردني (آب 2026) بعنوان “استدامة استقرار الاقتصاد الكلي في الأردن: ما وراء النمو والتضخم”، يتضح جليًا أن الانتقال من مرحلة “تعافي الأرقام” إلى “استدامة الأثر” يتطلب صياغة معادلة اقتصادية جديدة تقوم على ثلاثة أبعاد متكاملة لا ينفصل أحدها عن الآخر.
أضلاع المعادلة الاقتصادية الجديدة
لكي تحول السياسات الاقتصادية الأرقام الصماء إلى أثر ملموس على أرض الواقع، يجب قراءة الاستقرار الاقتصادي الكلي عبر أضلاعه الثلاثة:
1. النمو المستقر والمستدام (محرك الأثر):
النمو الحقيقي ليس مجرد نسبة مئوية تُسجل في التقارير، بل هو النمو القادر على التوسع المتوازن، وتوليد فرص عمل نوعية، واستيعاب الطاقات الوطنية، وضمان استمرارية النشاط الإنتاجي بمرونة عالية.
2. التوازن المالي واستدامة الدين العام (صمام الأمان):
إن ضبط الضغوط المالية وإدارة الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يمثلان الركيزة الأساسية لحماية السيادة الاقتصادية. الاستدامة المالية هنا لا تعني انكماشًا أو تقشفًا يعطل الحركة، بل تعني رفع كفاءة الإنفاق العام وتعظيم العائد على الاستثمارات الحكومية.
3. التضخم المنخفض والمستقر (حامي القدرة الشرائية):
الحفاظ على استقرار الأسعار وضبط مستويات التضخم يحميان القوة الشرائية للمواطنين، ويمنحان القطاع الخاص الرؤية الواضحة والتنبؤ المالي اللازمين لاتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل.
ملامح الاستراتيجية المؤسسية: كيف نحول المعادلة إلى أثر؟
كخبراء في التطوير المؤسسي، ندرك أن السياسات الاقتصادية النجلاء تظل حبرًا على ورق ما لم تُدعَم بهياكل مؤسسية قادرة على التنفيذ والمتابعة. ولتحقيق هذه القفزة في الأردن، أطرح أمام صناع القرار وكبار المسؤولين مجموعة من الحلول الاستراتيجية:
اعتماد المؤشر المركب للاستقرار (Institutional Composite Index):
تطوير أداة قياس مؤسسية موحدة تُدمج المؤشرات الثلاثة في مؤشر مركب يُرفع دوريًا لرئاسة الوزراء، لضمان عدم اتخاذ سياسات نقديّة أو مالية بمعزل عن أثرها المباشر على النمو والتضخم.
الحوكمة الاقتصادية وإدارة المخاطر الاستباقية (ERM):
دمج منظومة إدارة المخاطر المؤسسية في كافة الوزارات والدوائر الاقتصادية لضمان التنبؤ بالمخاطر الخارجية والداخلية والتعامل معها قبل أثرها المباشر على التوازنات المالية.
الشراكة الاستثمارية ذات العائد المضاعف (PPP):
توجيه الإنفاق الرأسمالي نحو مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص في قطاعات المستقبل (كالطاقة المتجددة، إدارة المياه، والتحول الرقمي)، بما يحقق النمو دون تكبيد الخزينة أعباء ديون جديدة.
ربط الأداء المؤسسي بالأهداف الاقتصادية الكلية:
ربط تقييم الأداء للقيادات الحكومية والتنفيذية بكفاءة إنجاز الأهداف المتكاملة للمعادلة الاقتصادية، للحد من الهدر المالي وتحسين بيئة الأعمال.
إن الانتقال بالأردن من مرحلة إدارة الأرقام إلى مرحلة استدامة الأثر يتطلب جرأة في التطوير المؤسسي وتكاملاً غير مسبوق بين السياسات المالية والنقدية والاستثمارية. بهذه المعادلة الشاملة فقط، يستطيع الأردن أن يبني اقتصادًا صامدًا، قادرًا على النمو والتكيف مع كافة التحديات.

التعليقات مغلقة.