عدم اليقين الاقتصادي: من امتصاص الصدمات إلى تسعيرها
بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر والاستراتيجيات
لا تبدأ كلفة عدم اليقين الاقتصادي حين يرتفع سعر سلعة في السوق، ولا حين تتراجع قراءة في تقرير دوري. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير: حين يؤجل المستثمر قراراً، ويطلب المورّد هامش أمان إضافياً، ويعيد البنك تسعير الائتمان، وتختار الشركة الاحتفاظ بالسيولة بدلاً من توسيع الإنتاج أو التوظيف.
هذه هي الضريبة الصامتة لاقتصاد العالم اليوم. فعدم اليقين لا يوقف النشاط بالضرورة، لكنه يجعل القرار الاقتصادي أكثر تحفظاً، ويزيد الكلفة الخفية لرأس المال، ويؤخر الاستثمار الذي تحتاجه الاقتصادات لتوليد النمو وفرص العمل.
وقد جاءت تقديرات البنك الدولي الأخيرة لتؤكد أن البيئة الدولية نفسها أصبحت أكثر صعوبة: فالنمو العالمي مرشح للتباطؤ إلى 2.5% خلال عام 2026، تحت وطأة ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الإقليمية. أما منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، باستثناء إيران، فتراجعت توقعات نموها إلى 1.8%، أي أقل بـ2.4 نقطة مئوية من تقديرات سابقة. وهذه ليست خلفية دولية بعيدة عن الأردن؛ فهي تؤثر مباشرة في كلفة الطاقة والشحن والتأمين، وفي الطلب الخارجي، وفي قرار المستثمر الذي يقارن بين الفرص والمخاطر.
في الحالة الأردنية، لا يصح اختزال المشهد في عنوان واحد متفائل أو متشائم. فالمؤشرات النقدية والمالية تعكس قدرة معتبرة على امتصاص الصدمات، بينما تكشف مؤشرات الاستثمار والمالية العامة أن تحويل الاستقرار إلى نمو أعلى ما زال يتطلب عملاً مؤسسياً وسياساتياً أدق.
على جانب الحماية النقدية، بلغت الاحتياطيات الأجنبية الإجمالية لدى البنك المركزي الأردني 26.09 مليار دولار بنهاية حزيران 2026، وهي تغطي نحو 8.6 أشهر من مستوردات المملكة من السلع والخدمات. كما ارتفعت الودائع لدى البنوك إلى 51.1 مليار دينار، والتسهيلات الائتمانية القائمة إلى 37.15 مليار دينار. وهذه ليست أرقاماً شكلية؛ فهي تعني وجود هامش دفاع أمام ضغوط التمويل الخارجي، وقدرة مصرفية على الاستمرار في تمويل الاقتصاد، وثقة متماسكة نسبياً بالدينار والجهاز المصرفي.
لكن الاحتياطيات والسيولة لا يجب أن تُقرأ بوصفها دليلاً على أن المخاطر اختفت. وظيفتها الأساسية هي منح الاقتصاد وقتاً وقدرة على المناورة عندما تقع الصدمة، لا إلغاء أسبابها. فالدولة التي تمتلك احتياطياً قوياً تكون أقدر على حماية الاستقرار النقدي، لكنها تبقى مطالبة بتخفيض كلفة عدم اليقين التي يدفعها المستثمر والقطاع الخاص.
هنا تظهر الإشارة التي تستحق الانتباه. فرغم تحسن عجز الحساب الجاري، باستثناء المنح، إلى 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من 2026، مقارنة بـ6% في الفترة نفسها من 2025، انخفض صافي تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 183.8 مليون دينار، مقابل 245.9 مليون دينار قبل عام. لا يعني ذلك بالضرورة تراجع جاذبية الأردن، لكنه يكشف أن رأس المال طويل الأجل لا يكتفي بالنظر إلى مؤشرات الاستقرار الكلي؛ بل يسعّر أيضاً درجة الغموض الإقليمي، وسرعة الإجراءات، وكلفة التمويل، ووضوح القواعد التنظيمية، وإمكانات الخروج من الاستثمار.
وهذا هو الفارق بين اقتصاد يمتص الصدمة واقتصاد يحولها إلى فرصة. الأول يحمي احتياطياته ونقده وقطاعه المصرفي، وهو أمر ضروري. أما الثاني فيبني آليات تضمن ألا تنتقل الصدمة إلى قرار المستثمر أو إلى خط إنتاج المصنع أو إلى وظيفة مؤجلة. فالاستقرار النقدي لا يتحول تلقائياً إلى استثمار، إلا إذا انخفضت كلفة عدم اليقين التي يراها القطاع الخاص.
كما أن الصورة المالية العامة تستدعي قراءة متوازنة. فقد بلغ الدين الحكومي القائم، الداخلي والخارجي، 49.51 مليار دينار بنهاية أيار 2026، بما يعادل 110.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات البنك المركزي. لا ينبغي التعامل مع هذه النسبة بخطاب تهويلي، لكنها تفرض على السياسة الاقتصادية أن تكون أكثر حساسية لجودة الإنفاق الرأسمالي، وأثر كل دينار ممول بالدين، وقدرته الفعلية على رفع الإنتاجية أو تخفيض فاتورة الطاقة أو توليد صادرات أو استقطاب استثمار نوعي.
إن أخطر ما في عدم اليقين ليس الصدمة ذاتها، بل انتقالها غير المرصود بين القطاعات. قد تبدأ من ارتفاع في أجور الشحن أو قسط التأمين، ثم تتحول إلى كلفة أعلى على المستورد، ثم إلى ضغط على هوامش الشركات، وتأجيل للتوسع، وتباطؤ في التوظيف، قبل أن تظهر لاحقاً في الأسعار أو في النمو. لذلك فإن الاكتفاء بقياس التضخم بعد وصوله إلى المستهلك لا يكفي. المطلوب هو قياس مسار الصدمة وهي تتحرك داخل الاقتصاد.
الأردن بحاجة إلى إطار وطني عملي لرصد انتقال الصدمات الاقتصادية، يربط دورياً بين أسعار الطاقة، وكلفة النقل والتأمين، ومدد التوريد، والفائدة، وأداء القطاعات الإنتاجية. لا بوصفه تقريراً إحصائياً إضافياً، بل كأداة قرار تساعد الحكومة والبنك المركزي والقطاع المالي على التحرك المبكر، وتساعد الشركات على بناء خطط استمرارية وتنوع في الموردين والأسواق.
كما يحتاج التمويل، خصوصاً للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والقطاعات الإنتاجية، إلى تقييم أوسع من الضمانات التقليدية. فالشركة القادرة على إدارة مخاطر الطاقة والتوريد والسيولة، والتي تملك خطة واضحة لاستمرارية الأعمال، هي أقل مخاطرة وأكثر قابلية للتمويل، حتى في بيئة متقلبة.
لقد أثبت الأردن أن لديه أدوات جدية لحماية الاستقرار النقدي والمالي وسط محيط مضطرب. أما التحدي التالي، والأهم، فهو تحويل هذا الاستقرار إلى ثقة استثمارية ملموسة، وإلى قرارات توسع وتشغيل وإنتاج. فالمتانة الحقيقية ليست أن ينجو الاقتصاد من الصدمة؛ بل أن يكتشف كلفتها وهي لا تزال في الطريق، وأن يمنعها من التحول إلى عبء على الاستثمار والمواطن والمالية العامة.
المراجع
1. البنك الدولي، Global Economic Prospects، يونيو 2026.
2. البنك الدولي، Middle East, North Africa, Afghanistan & Pakistan Economic Update، أبريل 2026.
3. البنك الدولي، Jordan Macro Poverty Outlook، أبريل 2026.
4. البنك المركزي الأردني، Recent Monetary & Economic Developments in Jordan، تقرير يوليو 2026.
5. دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، تقرير الرقم القياسي لأسعار المستهلك، أغسطس 2026



التعليقات مغلقة.