من ميلانو إلى البحر الميت: كيف تتحول الشراكة الأردنية–الأوروبية إلى قيمة إنتاجية؟
بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر
لا تُقاس قيمة الوفد الاقتصادي الأردني الذي أنهى لقاءاته المكثفة في ميلانو هذا الأسبوع بعدد الاجتماعات أو الصور الرسمية، بل بنوعية القطاعات التي طُرحت على الطاولة: المياه والتحلية، الصناعة المتقدمة، الدواء، اللوجستيات، الاتصال الرقمي، والتصنيع الذكي. هذه ليست قطاعات تجميلية في اقتصاد يواجه كلفة مياه مرتفعة، وحاجة متواصلة إلى رفع إنتاجية الصناعة، وتوسيع الصادرات ذات القيمة المضافة.
الرسالة الأهم في الزيارة التي ضمت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي زينة طوقان ووزير الاستثمار طارق أبو غزالة وممثلين عن القطاع الخاص، هي أن الأردن لا يعرض نفسه كسوق استهلاكية صغيرة، بل كقاعدة إنتاج وتصدير موثوقة تستطيع الشركات الإيطالية من خلالها الوصول إلى الإقليم والأسواق الأوسع. وهذا التحول في لغة الترويج الاستثماري ضروري؛ لأن المستثمر الأوروبي لا يبحث عن فرصة منفصلة، بل عن موقع يجمع بين الاستقرار، والتشريعات الواضحة، وسهولة التمويل، والقدرة على إدارة مخاطر الإمداد والتشغيل. وزارة الاستثمار الأردنية
وليس من قبيل المصادفة أن تتقدم المياه والتحلية والمعالجة إلى واجهة الحوار مع الشركات الإيطالية. فهذه المشاريع لا تُقرأ فقط باعتبارها بنية تحتية، وإنما بوصفها تخفيضاً مباشراً لمخاطر الإنتاج الزراعي والصناعي والسياحي. كل متر مكعب من المياه يُدار بكفاءة، وكل تقنية تقلل الفاقد أو كلفة المعالجة، تعني قدرة أعلى للمصنع الأردني على التخطيط والتوسع والتسعير التنافسي. وهنا تتجاوز الشراكة معنى استيراد المعدات إلى نقل المعرفة التشغيلية، وبناء قدرات محلية للصيانة والتشغيل والتطوير.
أما لقاءات التصنيع الذكي والصناعات المعدنية والدوائية والغذائية، فتفتح باباً أكثر أهمية: دمج الشركات الأردنية في سلاسل القيمة الأوروبية. فالشراكة الحقيقية ليست أن تبيع أوروبا للأردن معدات وتكنولوجيا فحسب، بل أن يصبح الأردن جزءاً من منظومة إنتاجها الإقليمية؛ بتوطين جزء من التصنيع، ورفع المحتوى المحلي، ونقل المهارة الفنية، وربط المنتج الأردني بالمعايير الأوروبية والأسواق التصديرية.
في هذا السياق، توفر المؤشرات النقدية والاقتصادية التي ينشرها البنك المركزي الأردني قاعدة ثقة لا يمكن فصلها عن ملف الاستثمار. فقد بلغ إجمالي الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي 28.3795 مليار دولار في نهاية آب 2026، فيما بلغ النمو الاقتصادي الحقيقي 2.93% في الربع الأول من العام، واستقر التضخم عند 2.2% خلال الأشهر الثمانية الأولى منه. لا تعني هذه الأرقام أن التحديات انتهت، لكنها تمنح المستثمر نقطة انطلاق مهمة: بيئة نقدية أكثر قابلية للتنبؤ، وقدرة أفضل على امتصاص الصدمات، وتكلفة مخاطر أقل مقارنةً ببيئات إقليمية تعاني تقلبات حادة. البنك المركزي الأردني
والأثر الإيجابي لهذه المعادلة لا يقتصر على تدفق رأس المال. فالاستثمار الأوروبي الإنتاجي يرفع المنفعة الكلية للاقتصاد عندما يخلق وظائف نوعية، ويزيد الصادرات، ويطور الموردين المحليين، ويخفض استهلاك الطاقة والمياه، ويُدخل معايير حوكمة وجودة أكثر تقدماً. أما الاستثمار الذي يبقى في حدود التمثيل التجاري أو التوريد الخارجي، فتبقى منفعته محدودة مهما بدا حجمه كبيراً.
من هنا، فإن مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي المرتقب في البحر الميت في 19 تشرين الثاني المقبل يجب أن يُدار كمحطة تنفيذ لا كمؤتمر علاقات عامة. المطلوب أن يدخل الأردن المؤتمر بمحفظة مشاريع جاهزة للتمويل والتنفيذ، تتضمن جدوى اقتصادية واضحة، ومخصصات أرض وبنية تحتية، وجدولاً زمنياً، وشريكاً محلياً محتملاً، وآليات لضمان انتقال التقنية والتدريب. فالمستثمر لا يموّل العناوين؛ بل يمول مشروعاً يعرف مخاطره، وعوائده، ومسؤوليات كل طرف فيه. بعثة الاتحاد الأوروبي في الأردن
وتتمثل ميزة إيطاليا تحديداً في أن لديها شركات صناعية متوسطة ومتخصصة، وهي الأقرب إلى احتياجات الأردن من نموذج الاستثمار العملاق وحده. فهذه الشركات تستطيع الدخول في شراكات مرنة مع القطاع الخاص الأردني في التصنيع الغذائي، والمعدات، والدواء، والحلول الرقمية، والتحلية، والمنشآت اللوجستية. كما أن اجتماع الوفد مع مؤسسات الأعمال الإيطالية ومركز التصنيع الذكي في ميلانو يمنح الشراكة بعداً عملياً في التدريب ورفع الكفاءة ونقل الخبرات، لا مجرد الترويج للاستثمار. الخارجية الإيطالية
لكن المعيار الحاسم بعد ميلانو ليس التفاؤل، بل المتابعة. وحتى الآن، لا يصح التعامل مع اللقاءات باعتبارها استثمارات متحققة؛ فهي مرحلة تأسيسية مهمة، ويجب أن تتبعها مؤشرات معلنة: عدد الشركات التي تزور الأردن، مذكرات التفاهم التي تتحول إلى عقود، حجم الإنفاق الرأسمالي المنفذ، نسبة المحتوى المحلي، الوظائف المستحدثة، وقيمة الصادرات الناتجة عن تلك الشراكات.
الأردن يمتلك اليوم فرصة واقعية لتحويل استقراره النقدي وموقعه وعلاقاته الأوروبية إلى «علاوة منعة استثمارية». والزيارة إلى إيطاليا تُظهر أن الحكومة تتحرك باتجاه القطاعات التي تمس جوهر الإنتاج لا هوامشه. النجاح الآن في أن تتحول هذه الحركة إلى مصانع وخطوط إنتاج ومشاريع مياه وحلول رقمية تعمل على الأرض؛ عندها فقط تصبح الشراكة الأردنية–الأوروبية قيمة اقتصادية مستدامة، لا وعداً دبلوماسياً مؤجلاً



التعليقات مغلقة.