صحيفة الكترونية اردنية شاملة

حين يتأخر الشحن تتجمّد السيولة: اختبار الأردن لتنافسية الصناعة

 

بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

لا تقف البضائع وحدها عند تأخر الشحن؛ تتوقف معها أموال المصانع وقدرتها على بدء دورة إنتاج جديدة. فبين دفع ثمن المدخلات ووصولها، وبين تسليم المنتج وتحصيل مستحقاته، تتراكم كلفة اقتصادية قد لا تظهر كاملة في فاتورة النقل. ومن هذه الزاوية، تبرز أهمية مؤتمر التحالف العربي للشحن والخدمات اللوجستية وإطلاق منصة الاتحاد العربي لوكلاء الشحن والتخليص، واجتماع اللجنة الفنية لتسهيل النقل والتجارة، المدرجين في الأجندة الحكومية ليوم 30 أيلول 2026. والسؤال الاقتصادي الذي يستحق المتابعة هو: هل تستطيع هذه الجهود تقليص الأموال العالقة في حركة البضائع وتحسين تنافسية الصناعة الأردنية؟ (mogc.gov.jo⁠)

تأتي هذه الفعاليات في توقيت تمنحه أرقام التجارة الخارجية أهمية إضافية. فبحسب البيانات التي أعلنتها دائرة الإحصاءات العامة في 29 أيلول، بلغت الصادرات الكلية خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 نحو 6.395 مليار دينار، بارتفاع 10.3%، منها 5.509 مليار دينار صادرات وطنية، بنمو 4.6%. وبلغت المستوردات 11.585 مليار دينار، بينما انخفض العجز التجاري إلى 5.190 مليار دينار، وتحسنت تغطية الصادرات للمستوردات إلى 55%، مقابل 51% في الفترة المقابلة. وهذه مؤشرات تعزز أهمية رفع كفاءة حركة التجارة، لكنها لا تقيس بذاتها سرعة التخليص أو ربحية المصدّرين. كما أن نمو المعاد تصديره بنسبة 67.2% يستدعي الفصل بين توسع حركة التجارة ونمو الإنتاج الوطني عند تقييم النتائج. (org.petra.gov.jo⁠)

بالنسبة إلى المصنع، تتحول مشكلة النقل إلى ضغط مالي عندما تُدفع قيمة المواد قبل وصولها، أو يتأخر تحصيل المبيعات بسبب تأخر التسليم. ويمكن توضيح ذلك بحساب افتراضي: مصنع يستهلك مدخلات مستوردة بكلفة سنوية تبلغ 12 مليون دينار قد يخفض احتياجه لتمويل المخزون بنحو 164 ألف دينار إذا تقلصت مدة بقاء مدخلاته في الطريق خمسة أيام؛ أي حاصل قسمة الكلفة السنوية على 365 يوماً، مضروباً في الأيام الخمسة. وإذا بلغت كلفة التمويل السنوية المفترضة 8%، فإن استمرار هذا الانخفاض طوال العام قد يوفر نحو 13.2 ألف دينار من أعباء التمويل. وهنا يجب التمييز بين السيولة المحررة والوفر التمويلي؛ فالأولى أموال تصبح متاحة للاستخدام، والثاني انخفاض في كلفة تمويلها. ويظل المثال توضيحياً، مشروطاً بثبات الاستهلاك وشروط الدفع وانتقال ملكية البضاعة.

وتتسع المسألة عندما يصبح التأخير غير قابل للتوقع. فالشركة التي لا تثق بموعد وصول مدخلاتها قد تحتفظ بمخزون احتياطي أكبر، وتتحمل كلفة تخزين وتمويل إضافية لحماية الإنتاج. أما المصدّر، فقد يواجه غرامات أو يفقد طلبات لاحقة إذا اختل التزامه بالتسليم. لذلك، ينبغي إدخال زمن النقل وانتظامه ضمن إدارة رأس المال العامل وسجل المخاطر المؤسسية، مع تحديد مسؤولية كل طرف عن التأخير وخيارات الاستجابة. وقد يكون تحسين انتظام الوصول أكثر فائدة لبعض المصانع من تخفيض محدود في أجرة الشحن، لأنه يتيح تخطيط الإنتاج والمشتريات والسيولة بدرجة أعلى من الثقة.

وتدعم الأدلة الدولية أهمية هذا الاتجاه. فقد قدّرت دراسة لمنظمة التجارة العالمية عام 2015 أن التنفيذ الكامل لاتفاقية تيسير التجارة يمكن أن يخفض تكاليف التجارة بمتوسط 14.3%. وهذه نسبة تقديرية عالمية، لا وفر محقق في الأردن ولا عائد متوقع للمنصة المعلن عنها. وتكمن دلالتها في أن تبسيط الإجراءات والتنسيق بين الجهات يمكن أن يؤثرا في كلفة التجارة، إلى جانب الاستثمار في الطرق والموانئ. ومن ثم، فإن القيمة الاقتصادية للمنصة ستتحدد بقدرتها الفعلية على تقليل تكرار البيانات، وتوضيح مراحل المعاملة، وتسريع معالجة التعثر، وفق الصلاحيات والربط المتاحين لها. (wto.org⁠)

ويحتاج تقييم النجاح إلى ثلاثة مؤشرات معلنة: زمن الإفراج عن البضائع، والكلفة اللوجستية الكلية للشحنة، ونسبة التسليم ضمن الموعد المتفق عليه. ويجب فصل زمن النقل عن الانتظار والفحص والتخليص، ومقارنة شحنات متشابهة قبل أي تدخل وبعده. كما يفيد نشر الوسيط الزمني والمدة التي تُنجز خلالها 90% من الشحنات، حتى لا يخفي المتوسط حالات التأخير الشديدة. ويمكن البدء بتجربة محددة على مسار تجاري أو قطاع صناعي، تربط النتائج بمسؤوليات تنفيذ واضحة وحماية موثوقة للبيانات.

إن ربط تسهيل التجارة بسيولة المصانع يمنح الجهود الحكومية والقطاع الخاص معياراً اقتصادياً ملموساً للنجاح. فكل تحسن قابل للقياس في زمن وصول البضائع وانتظام التسليم يمكن أن يدعم الإنتاج والوفاء بالعقود ويحد من الحاجة إلى التمويل. وهنا تبدأ القيمة الحقيقية للإصلاح اللوجستي: حين تتحول سرعة الحركة إلى أموال متاحة، وقدرة إنتاجية أقوى، وثقة أكبر بالمنتج الأردني

التعليقات مغلقة.