حين تصبح الفائدة سياسة دفاع: الأردن يبني هندسة التمويل قبل اختبار الـ15 مليار دولار
رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر
لم يكن إعلان الحكومة عن أكثر من 40 فرصة استثمارية تتجاوز قيمتها 15 مليار دولار مجرد تحضير لمؤتمر يعقد في تشرين الثاني. ما يجري أعمق من ذلك: الأردن يختبر قدرته على تحويل الاستقرار النقدي والانضباط المالي والتمويل المصرفي والتأمين والرقابة الرقمية إلى لغة واحدة يفهمها رأس المال الدولي. فالمستثمر لا يشتري قيمة الفرصة على الورق؛ بل يشتري يقيناً معقولاً بأن المشروع سيموَّل ويُؤمَّن ويُنفَّذ، وأن كلفة المخاطر لن تتحول لاحقاً إلى فاتورة عامة أو عبء يبتلع عائده.
اختزال النقاش في مستوى الفائدة يضيّع أصل القضية. فالفائدة في اقتصاد صغير ومنفتح ومربوط بسياق مالي عالمي ليست سعراً للقروض فحسب؛ إنها جزء من سياسة دفاع تحمي الثقة بالدينار، والاحتياطيات، واستقرار القطاع المالي. وقد عزز البنك المركزي هذه الوظيفة بأدوات رقابية وسيولة موجهة، وبمنظومة مدفوعات رقمية تجاوزت 695 مليون عملية خلال عام 2025 بقيمة تفوق 50 مليار دينار. الرسالة ليست أن التمويل يجب أن يكون سهلاً بأي ثمن، بل أن يكون آمناً وشفافاً وقادراً على الوصول إلى الاستثمار المنتج.
هذه الوظيفة الدفاعية تصبح أكثر أهمية في عالم يضغط فيه ارتفاع كلفة الطاقة والدين وعوائد السندات على الاقتصادات كافة. فالمال الدولي لا يسأل عن سعر الفائدة في بلدٍ ما بمعزل عن صورته الأوسع: حجم الاحتياطيات، ومصداقية السياسة المالية، وقدرة الحكومة على حماية الفئات والقطاعات المتأثرة من دون تحويل الدعم المؤقت إلى التزام دائم. لذلك فإن المحافظة على الانضباط النقدي ليست انكماشاً في مواجهة النمو، بل تأمين مسبق ضد ارتفاع علاوة المخاطر التي قد تجعل أي مشروع جيد أغلى تمويلاً وأصعب تنفيذاً.
لكن السياسة النقدية لا تستطيع وحدها حمل فاتورة النمو. هنا يظهر دور الحكومة ورئيس الوزراء: محفظة مشاريع واضحة، وتشريعات جاذبة، وشراكة محلية لا تقل عن 30% في المشاريع العامة، وتحضير لقانون صناديق الاستثمار، هي أدوات تجعل السياسة المالية شريكاً في خفض المخاطر لا مجرد ممول لها. فكل مشروع ممول من دون توزيع واضح لمخاطر الطاقة والمياه والطلب والتنفيذ، يعيد الخطر في النهاية إلى الموازنة أو إلى البنك أو إلى المواطن. أما المشروع القابل للتمويل، فيحدد منذ البداية من يدفع ومتى، ومن يتحمل الانحراف، وكيف تقاس النتيجة.
والسياسة المالية الذكية لا تعني إنفاقاً أقل على حساب التنمية؛ بل إنفاقاً أدق يضع الدينار العام في الموضع الذي يفتح ديناراً خاصاً جديداً. فمع وصول العجز الكلي للحكومة المركزية إلى 2.8% من الناتج المحلي بنهاية النصف الأول من 2026، وارتفاع الإنفاق بوتيرة أسرع من الإيرادات، تزداد أهمية التمييز بين نفقة تحافظ على الاستقرار الاجتماعي والخدمة العامة، وإنفاق لا يخلق أصلاً أو إنتاجية أو مورداً مستداماً. هذا هو الجسر المطلوب بين وزارة المالية ووزارة الاستثمار والبنوك: اختيار مشروعات تخفض كلفة الطاقة والمياه والنقل، وتوسع الإيرادات والقاعدة الإنتاجية، فتخفف الضغط عن الموازنة بدلاً من تأجيله.
وهذه هي قيمة التحركات المؤسسية الأخيرة التي تبدو، لمن يراقبها منفصلة، سلسلة مؤتمرات متباعدة. جمعية البنوك وضعت عبر منتدى التمويل الأخضر التصنيف الأخضر الوطني، والمشاريع القابلة للتمويل، والضمانات، والتمويل المدمج، والسندات والصكوك الخضراء في نقاش واحد. وفي الوقت نفسه، أعاد مؤتمر التأمين العربي في البحر الميت وضع نقل المخاطر وإعادة التأمين والمخاطر الناشئة في صلب الحوار المالي. المعنى الاقتصادي واحد: لا تكفي سيولة البنوك إن لم توجد مشاريع موثقة، ومخاطر قابلة للتسعير، وتغطية تأمينية تحمي المقرض والمستثمر والدولة معاً.
لذلك، فإن مؤتمر الاستثمار الأردني-الأوروبي في 19 تشرين الثاني سيكون اختباراً لنضج هذه الهندسة، لا لحجم الحضور. وجود أكثر من 700 مستثمر ومسؤول ومؤسسة تمويل حول فرص في التكنولوجيا والطاقة والمياه والصناعة واللوجستيات يرفع معيار النجاح. النجاح ليس توقيع مذكرات تفاهم جديدة، بل خروج كل فرصة بمسار تمويل، وهيكل ضمان، وخطة مشتريات، ومؤشر قيمة محلية، وجدول زمني معلن. عندها فقط تتحول الشراكة الأوروبية، وما يرتبط بها من تمويل ميسر واستثمار، إلى قدرة إنتاجية ووظائف ومعرفة، لا إلى أرقام مؤجلة في قوائم الإعلانات.
الأردن يمتلك الآن عناصر معادلة التمويل الوطنية: ثقة نقدية، وقطاع مصرفي منظم، وحوار أخضر مؤسسي، وسوق تأمين تتقدم في إدارة المخاطر، ومشاريع استراتيجية تقودها الحكومة. المرحلة التالية هي وصل هذه العناصر في منصة تنفيذ واحدة تقيس الجاهزية قبل الإعلان، وتسعر المخاطر قبل التمويل، وتتابع الكلفة والإنجاز بعد التوقيع. عندئذ لا تكون الفائدة عائقاً للنمو، بل جزءاً من ثمن الاستقرار الذي يسمح لرأس المال بأن يدخل بثقة، وللدولة أن تنمو من دون أن ترهن مستقبلها.



التعليقات مغلقة.