جريمة الكرك الإرهابية: ما وراء الحدث ودلالاته الوطنية والإقليمية
ثمة ثلاثة أحداث تستحق التوقف عندها وأخذها في الاعتبار عند بحث جريمة الكرك الإرهابية، لما تحمله من دلالات سياسية وإعلامية، وما تثيره من تساؤلات حول الروايات المتنافسة بشأن واقع المسيحيين في المنطقة، وطبيعة الصراعات التي تشهدها دولنا العربية.
أولاً : زيارة الصحفي الأميركي تاكر كارلسون إلى الأردن، وما أكده خلالها، وفقاً لما طرح في هذا السياق، من أن الأردن يشكل أنموذجاً للعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين. وقد قارن بين واقع المسيحيين في الأردن وواقعهم في دولة الاحتلال، وانتهى إلى إبراز التجربة الأردنية بوصفها نموذجاً جديراً بالاحتذاء، في تأكيد واضح على أن التعايش الديني في الأردن ليس مجرد شعار، بل حقيقة راسخة في بنية المجتمع الأردني وهويته الوطنية.
ثانياً: خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما تضمنه من ادعاءات بشأن تعرض المسيحيين للاضطهاد في الشرق الأوسط، الأمر الذي يستدعي التوقف عند توظيف قضية المسيحيين في المنطقة في الخطاب السياسي الدولي، ومدى انعكاس ذلك على صورة المجتمعات العربية، وعلى الروايات التي يجري الترويج لها بشأن طبيعة العلاقات بين مكوناتها الدينية.
ثالثاً: خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني أمام الأمم المتحدة، الذي أكد فيه أن الأردن يحمي المسيحية في الأرض التي انطلقت منها، في تعبير عن موقف أردني ثابت، لا يقتصر على حماية المواطنين المسيحيين وصون حقوقهم، بل يمتد إلى حماية الوجود المسيحي في المنطقة والحفاظ على إرثه التاريخي والحضاري، باعتباره جزءاً أصيلاً من هوية المشرق العربي وتاريخه.
إن وضع هذه الأحداث الثلاثة في سياق واحد يثير تساؤلات جدية حول الكيفية التي يمكن أن تستغل بها جريمة الكرك في التأثير على صورة الأردن، والتشكيك في نموذجه الوطني القائم على المواطنة والعيش المشترك، أو توظيفها لخدمة روايات سياسية تتعارض مع حقيقة التجربة الأردنية.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما أثير من اتهامات بشأن دور قوى إقليمية ودولية في نشأة بعض التنظيمات الإرهابية، أو ما يُطرح من فرضيات حول استغلال هذه التنظيمات لتفكيك المجتمعات العربية وإشعال الصراعات الطائفية والمذهبية. غير أن هذه الاتهامات، على خطورتها، تستوجب التمحيص والاستناد إلى الأدلة والوقائع، بعيداً عن التعميم أو إطلاق الأحكام التي لا تستند إلى إثبات موثوق.
إن ما شهدته سورية والعراق ولبنان واليمن من صراعات وتفكك اجتماعي وطائفي يكشف عن حجم المخاطر التي تنشأ عندما تتقاطع مصالح القوى الخارجية مع مشاريع التطرف والتعصب، وعندما تتحول الانقسامات الداخلية إلى أدوات للصراع الإقليمي والدولي. وقد تتلاقى مصالح أطراف متعارضة في بعض النتائج، حتى وإن اختلفت دوافعها وأهدافها، فتكون المجتمعات العربية هي الخاسر الأكبر.
ومن هنا، لا يجوز اختزال جريمة الكرك في كونها مجرد تعبير عن تطرف ديني أعمى؛ بل ينبغي النظر إليها أيضاً في سياقها الوطني والإقليمي، وما تثيره من تساؤلات حول الجهات المستفيدة من إشعال الفتنة وضرب وحدة المجتمع الأردني. فالإرهاب، حين يستهدف الأبرياء ويحاول بث الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، يتجاوز جريمته المباشرة ليهدد السلم الأهلي، ويضرب أسس الدولة والمجتمع.
ومع ذلك، فإن خطورة الجريمة لا تبرر القفز إلى استنتاجات بشأن الجهات التي تقف وراءها أو المستفيدة منها من دون أدلة دامغة؛ فمواجهة الإرهاب تبدأ بكشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة المسؤولين عنه، ورفض كل محاولة لتوظيف الدماء في خدمة أجندات سياسية أو طائفية.
إن الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، يشكلون وحدة وطنية متماسكة، يجمعهم الانتماء إلى الوطن والولاء لقيادته، وتربطهم من المصالح المشتركة والروابط التاريخية والاجتماعية ما يجعل محاولات التفريق بينهم اعتداء على الأردن بأسره. وهذه الوحدة ليست موضع مساومة، ولا يجوز السماح لأي جهة داخلية كانت أم خارجية، بأن تنال منها أو أن تزرع الشك في رسوخها.
إن قتلة الكرك، أياً كانت دوافعهم والجهات التي يثبت ارتباطهم بها، لا يمثلون ديناً ولا مذهباً ولا جماعة وطنية، وإنما يمثلون فكراً إقصائياً دموياً يتناقض مع قيم الدين والإنسانية، ويخدم، عن قصد أو عن غير قصد، كل مشروع يسعى إلى إضعاف الأردن والنيل من استقراره ووحدته.
وعلينا أن نكون على وعي كامل بأن جريمة الكرك ليست قضية دينية بالمعنى الضيق، ولا يجوز التعامل معها بوصفها صراعاً بين المسلمين والمسيحيين؛ فمواقف الأردنيين وردود فعلهم الرافضة للإرهاب والفتنة تؤكد أن المجتمع الأردني يدرك حقيقة الخطر، ويتمسك بوحدته الوطنية. إنها قضية تمس أمن الأردن واستقراره، وترتبط في أبعادها الأوسع بمعركة الأمة العربية في مواجهة الإرهاب والتدخلات الخارجية ومشاريع التفكيك والهيمنة.
غير أن الوعي بالمخاطر الخارجية لا يعفينا من مراجعة الذات. فمواجهة التطرف تقتضي مراجعة سياساتنا ومناهجنا التعليمية والثقافية والدينية، وأساليب تعاملنا مع خطاب التعصب والكراهية، والتصدي لكل فكر يكفّر الآخر لمجرد اختلافه معه في الدين أو المذهب أو الرأي. فالفكر الذي ينزع عن الإنسان حقه في الاختلاف، ويستبيح دمه أو كرامته على هذا الأساس، هو خطر على المجتمع بأسره، ولا يمكن مواجهته بالأجهزة الأمنية وحدها، بل بتعزيز ثقافة المواطنة، وترسيخ قيم التسامح، وإعلاء شأن العقل والحوار، وتأكيد المساواة في الحقوق والواجبات.
إن حماية الأردن لا تكون فقط بمواجهة الإرهاب بعد وقوع الجريمة، وإنما أيضاً بإغلاق المنافذ الفكرية والاجتماعية التي يتسلل منها التطرف، وتعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وترسيخ إيمان الأردنيين بأن وطنهم يتسع لهم جميعاً، وأن اختلافهم الديني والثقافي مصدر غني وقوة، لا ذريعة للفرقة والاقتتال.
حفظ الله الأردن آمناً مستقراً، وحفظ جلالة الملك عبد الله الثاني وسمو ولي عهده الأمين، وحمى الأردنيين جميعاً، مسلمين ومسيحيين، وأدام بينهم روح الأخوة والوحدة الوطنية، وأفشل كل مخطط يستهدف أمن الوطن واستقراره أو يسعى إلى تمزيق نسيجه الاجتماعي.



التعليقات مغلقة.