صحيفة الكترونية اردنية شاملة

من الفرص إلى الإنتاج: مسار الشراكة الأردنية–الأوروبية

 

بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

تُقاس قيمة المؤتمرات الاستثمارية بما تفتحه من مسارات تنفيذ، لا بعدد المتحدثين أو الصور الرسمية. فالاستثمار يبدأ حين تنتقل الفرصة من منصة العرض إلى أرض محددة، وطاقة مضمونة، وتمويل مغلق، وعقد بيع قادر على الاستمرار. وهذه هي القيمة الاقتصادية الحقيقية لمؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي: مشاريع تتحول إلى عقود تنفيذ وسلاسل توريد وصادرات قابلة للقياس.

يضع المؤتمر أمام المستثمرين أكثر من 40 فرصة تتجاوز قيمتها الإجمالية 15 مليار دولار، في التكنولوجيا والطاقة والصناعات عالية القيمة واللوجستيات والبنية التحتية والمياه. وهذا الرقم يمثل قيمة الفرص المطروحة، لا استثمارات موقعة. لذلك فإن الأولوية ليست في حجم المحفظة وحده، بل في معرفة أي مشاريعها قابلة للإغلاق المالي خلال اثني عشر شهراً، وأيها يحتاج إلى تشريع أو بنية تحتية أو شريك صناعي قبل طرحه على رأس المال.

فالمستثمر لا يبحث عن فرصة جيدة في عرض تقديمي فقط؛ بل عن مشروع يعرف فيه كلفة الأرض، وزمن الترخيص، ومصدر الطاقة والمياه، وتفاصيل الحوافز، وسعر المنتج، وسوقه، ومخاطر التوريد والشحن. وكل بند غامض يتحول في النموذج المالي إلى كلفة أعلى، أو ضمان إضافي، أو قرار بتأجيل الاستثمار.

ولهذا ينبغي أن تبدأ المرحلة التالية بتصنيف الفرص إلى ثلاث قوائم: مشاريع جاهزة للتمويل والتنفيذ خلال عام، وأخرى تحتاج إلى استكمال فني أو تنظيمي خلال عامين، ومشاريع استراتيجية طويلة الأجل. فالتصنيف لا يرتب الأولويات فحسب؛ بل يحدد العمل المطلوب لكل مشروع، ويحمي سمعة المحفظة، ويمنع خلط المشروع الجاهز بالمشروع الذي ما يزال فكرة واعدة.

ثم تأتي خطوة الفحص الاستثماري: «غرفة بيانات» موحدة لكل مشروع جاهز، تشمل الأرض والتراخيص، والجدول الزمني، والعقود أو الطلب المتوقع، والالتزامات الحكومية، ومخاطر التنفيذ وبدائل الإمداد. كما ينبغي تسمية جهة متابعة واحدة لا ينتهي دورها بانتهاء المؤتمر. فاكتمال البيانات وتحديد المسؤوليات يخفضان كلفة التفاوض، ويسرّعان التمويل والتنفيذ.

لكن الإغلاق المالي لا يكتمل من دون إجابة عملية عن سؤالين: ماذا سينتج المشروع؟ ولمن سيبيع؟ هنا تتحول غرفة البيانات من ملف تعريفي إلى أساس لعقد شراء وخطة تصدير وسلسلة توريد قابلة للتنفيذ. ولذلك ليست فرص التصدير مرحلة لاحقة عن الاستثمار، بل اختبار مبكر لجودة المشروع وقدرته على الاستمرار بعد بدء الإنتاج.

وبحسب بيانات غرفة التجارة الأوروبية في الأردن، ارتفعت الصادرات الأردنية إلى الاتحاد الأوروبي 20.3% في الأشهر السبعة الأولى من 2026 لتصل إلى 367 مليون دينار، بالتزامن مع انخفاض الواردات الأردنية من الاتحاد الأوروبي 7.2%. ومع ذلك، ما تزال الصادرات الأردنية تعادل نحو 22% فقط من قيمة تلك الواردات. وهذه الفجوة لا تُعالج بالترويج وحده، بل بشراكات إنتاجية ترفع المكوّن المحلي، وتدعم اندماج الشركات الأردنية في سلاسل القيمة الأوروبية، وتوسّع قاعدة التصدير.

وتبرز الصناعات الهندسية بوصفها ساحة الاختبار العملية لهذا المسار. فالقطاع يضم نحو 4,800 منشأة ويوظف قرابة 35,200 عامل، وبلغت صادراته الكلية 1.365 مليار دينار في 2024. والطموح إلى 2.5 مليار دينار من الصادرات بحلول 2033 لن يتحقق بالتمويل وحده؛ بل بتوطين المورّدين، وتخفيض كلفة الطاقة واللوجستيات، وربط الحوافز بنسبة المكوّن المحلي والتصدير الفعلي، لا بحجم الإعلان الاستثماري.

وتتعمق المنافسة في السوق الأوروبية مع دخول آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية مرحلتها النهائية في 2026. وهي لا تشمل كل الصناعات، بل تمتد حالياً إلى الأسمنت والحديد والصلب والألمنيوم والأسمدة والكهرباء والهيدروجين. وفي هذه القطاعات، لم تعد شروط النفاذ تقوم على السعر وحده؛ بل تشمل موثوقية التوريد، وكفاءة الطاقة، وإمكانية تتبع المكوّنات، وبيانات الانبعاثات. لذلك يصبح الاستثمار في الطاقة المتجددة والتخزين ورفع كفاءة الصناعة أداةً لتقليل كلفة المنتج وحماية قدرته على المنافسة.

وتستند الشراكة الأردنية–الأوروبية إلى حزمة مالية واستثمارية مقدرة بـ3 مليارات يورو للفترة 2025–2027: 640 مليون يورو منح، ومليار يورو قروض ميسرة، ونحو 1.4 مليار يورو استثمارات إضافية. وهي تفتح مجالاً لتعميق التكامل الاقتصادي؛ يستفيد الأردن من التمويل والخبرة والتكنولوجيا، فيما تستفيد الشركات الأوروبية من فرص في الطاقة والمياه والصناعة واللوجستيات ومن قاعدة إنتاجية قادرة على الوصول إلى الأسواق الإقليمية.

لكن التمويل التنموي، مهما كانت أهميته، لا يصلح مشروعاً بلا عقد شراء، ولا يغني عن جهة تنفيذ قادرة على اتخاذ القرار، ولا يعوّض الحاجة إلى إجراءات سريعة وبيانات مكتملة. لذلك فإن وضوح الأدوار، وربط الاستثمار بسلاسل توريد محلية، وتحويل الحوافز إلى نتائج قابلة للقياس، هي العوامل التي تجعل الدعم الأوروبي قيمة إنتاجية مشتركة، لا تمويلاً منفصلاً عن الاقتصاد الحقيقي.

المطلوب بعد المؤتمر لوحة متابعة عملية: كم مشروعاً وصل إلى الإغلاق المالي؟ كم مصنعاً بدأ الإنتاج؟ كم مورّداً أردنياً دخل السلسلة؟ وكم عقد تصدير وُقِّع؟ عندها تتضح قيمة الـ15 مليار دولار: فرصة تتحول إلى تمويل، وتمويل إلى مصنع، ومصنع إلى صادرات مستدامة.

التعليقات مغلقة.