القمح في حسابات الخزينة
بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر
عشرة أشهر من القمح هي الرسالة الأهم التي بعثتها وزارة الصناعة والتجارة والتموين إلى السوق في أحدث إفصاح لها. المملكة تستهلك قرابة 90 ألف طن شهرياً، والمخزون الحالي يغطي هذه الحاجة لنحو عشرة أشهر، فيما يستمر طرح العطاءات الدورية لتعزيزه. في إقليم تتغير فيه خطوط التجارة أسرع من أسعار الشاشات، هذا رصيد قوة للدولة والسوق معاً.
ما تحقق هنا لا يقتصر على تخزين القمح؛ بل يعكس إدارة استباقية للمخاطر. فالجمع بين مخزون يغطي عشرة أشهر، وعطاءات شراء دورية، وطاقة تخزينية، ودعم مرصود في الموازنة لحماية سعر الخبز، ينقل السياسة من معالجة الندرة بعد وقوعها إلى امتصاص أثرها قبل أن يصل إلى الأسرة الأردنية. هذه هي القيمة الاقتصادية لإدارة المخاطر: حماية السوق والموازنة والقوة الشرائية في قرار واحد.
لكن الرقم لا يعيش في الصوامع وحدها. خلفه حساب مالي واضح: مجلس الوزراء رصد لمادة القمح والخبز قرابة 109 ملايين دينار في موازنة 2026، ضمن 171 مليون دينار مخصصة لدعم القمح والشعير. وكلفة طن القمح تبلغ، وفق القرار الحكومي، 252 ديناراً، بينما يباع للمطاحن بـ139 ديناراً؛ أي إن الخزينة تتحمل فرقاً مقداره 113 ديناراً عن الطن، فوق الدعم النقدي للمخابز.
هذه هي المعادلة التي تستحق أن تُقرأ اقتصادياً. المخزون يمنع الندرة، والدعم يمنع انتقال كلفة القمح إلى الرغيف، لكن استدامة الاثنين تعتمد على قدرة الموازنة على تحمّل الفارق كلما تغيرت الأسعار الدولية. الرغيف المستقر ليس نتيجة قرار سعري منفرد؛ إنه حصيلة شراء مبكر، وطاقة تخزين، وعقود قائمة، ومخصصات مالية جاهزة.
قرار تثبيت أسعار الخبز حتى نهاية 2026 يعكس إدراكاً صحيحاً لحساسية هذه السلعة في سلة الأسرة الأردنية. إلا أن قيمة هذا القرار لا تقاس عند لحظة الإعلان عنه، بل بقدرته على حماية المستهلك من تقلبات السوق، من دون تحويل الدعم إلى فاتورة مفتوحة لا تُراجع كلفتها ولا كفاءة وصولها.
وهنا تتقدم إدارة البيانات على لغة الاطمئنان. فقد دشّن الأردن نظاماً وطنياً لإدارة معلومات الأمن الغذائي يرصد 33 مؤشراً محلياً و68 مؤشراً عالمياً. الخطوة التالية ينبغي أن تكون ربط هذه المؤشرات بثلاثة أسئلة مالية مباشرة: ما كلفة إعادة بناء المخزون عند كل تغير في السعر العالمي؟ ما نسبة الاحتياطي الموجود فعلياً إلى الكميات المتعاقد عليها؟ وما حجم الدعم المطلوب إذا استمر ارتفاع كلف الاستيراد؟
هذا ليس ترفاً محاسبياً. الفرق بين المخزون داخل الصوامع والمخزون في الطريق يحدد درجة الأمان الفعلية، كما أن الفرق بين السعر العالمي وسعر البيع للمطاحن يحدد العبء الذي ستتحمله الموازنة. عندما تُعرض هذه البيانات بصورة دورية، تصبح سياسة الغذاء قابلة للقياس، ويصبح السوق أكثر قدرة على التخطيط بعيداً عن رد الفعل.
أما الزراعة المحلية، فدورها الاقتصادي لا يتحقق بتوسيع إنتاج الحبوب مهما كانت كلفته المائية. الأردن من أكثر دول العالم شحاً بالمياه، ولذلك تزداد جدوى توجيه كل متر مكعب إلى محاصيل أعلى قيمة، وتقليل الفاقد بعد الحصاد، وبناء تصنيع غذائي يرفع دخل المزارع ويخفف الضغط عن الواردات حيثما يكون ذلك مجدياً.
قصة القمح في الأردن ليست قصة نقص. إنها قصة إدارة دقيقة للوقت والمال. عشرة أشهر في الصوامع تمنح الدولة هامش حركة، و109 ملايين دينار في الموازنة تحمي سعر الخبز، لكن القوة الحقيقية تظهر عندما تتحول هذه الأرقام إلى سياسة شراء وتخزين ودعم تُراجع كلفتها قبل أن تصبح أزمة. هنا فقط يصبح الأمن الغذائي جزءاً من أمن الموازنة، لا ملفاً تموينياً مؤجلاً.



التعليقات مغلقة.