الملك يجدد العقد الاجتماعي (كما كان أبي وكما سيكون ابني)
نور الدويري
في مجلس الأمة وتحت قبة البرلمان العشرين، لم يكن المشهد اليوم بروتوكولياً فقط اذ افتتح جلالة الملك عبدالله الثاني أعمال الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين في تقليد دستوري يعود لعام 1929 لكن برسائل استثنائية فرضها ظرف استثنائي.
قبل أيام امتدت يد الإرهاب الغادرة لتختبر صلابة الدولة والمنعة الداخلية لتختار الكرك – حمود تحديدا في كنيسة القديس جاورجيوس لترتكب اثمها العظيم، لذلك جاء خطاب العرش محملاً بثقل اللحظة، فبدأ بوقفة حداد: «إن دماء شهداء الكرك عهد في أعناقنا».
ثم كانت ملاحظتي الأولى باتجاه جلالة الملكة رانيا العبدالله ارتداءها المدرقة الكركية والذي لم يكن اختياراً عابراً فالمدرقة هي لباس الكركيات للحداد والعز والوقار، وجاء بعد زيارتها قبل أيام لبيت عزاء الشهداء في حمود مع الأميرتين رجوة وسلمى.
لتقول رسالة المدرقة ان العائلة الهاشمية لم تقدم واجب العزاء وتغادر، بل حملت عزاء الكرك إلى قلب الدولة.
هنا تكتمل الصورة، الملك بخطاب يكرس مبادئ الدولة، والملكة بالمدرقة رمز للحاضنة الاجتماعية، فالعائلة المالكة لا تحكم من فوق، بل تسكن بين الناس في عزائهم وفرحهم وهو جوهر العقد الاجتماعي الهاشمي للدولة الأردنية فليست مؤسسات فقط بل عائلة أردنية ممتدة، لتأتي اشارته حين قال واصفا الإرهابيين: «هؤلاء ليسوا منا.. خرجوا عن عائلتنا الأردنية العظيمة.. فلا مكان لهم بيننا لا اليوم ولا غداً» فهكذا اسس وعزز الملك الحواضن الاجتماعية الهاشمية.
ولم ينته هذا النهج الذي كُرس بسلسله واجبات ملكية أسسها الملك عبدالله الثاني منها فتح أبواب الديوان الملكي لاستقبال الأردنيين بشكل مستمر، وزياراته الميدانية من الشمال للجنوب وزيارات الملكة وولي العهد والالتقاء المستمر بالناس ودعم الشباب والمرأة وتضمين اسس تحديث عناصر الدولة سياسيا واقتصاديا واداريا.
وهنا سألخص خطاب الملك الذي ثبت ماهية القضية الفلسطينية مشددا رفضه ان الطغيان لا يمثل الشرعية في إشارة مطلقة لضرورة حفظ حقوق الفلسطينيين متمسكا بالدور الأردني.
ثم نأتي لشكل العقد الاجتماعي الذي تناوله في خطابه بعدة ركائز تحدث عنها تمثلت في ان الشرعية الشعبية في مجلس الامة مصدر الثقة، كما وجه المجلس لضرورات هامة منها دورهم الرقابي ثم التشديد على سلوكهم وخطابهم وان يضعوا مصلحة الوطن نصب أعينهم، وكأنه يقول أراكم ما انتم فاعلون فهل يكون أداء النواب في هذه الدورة كما يرجوه الملك؟
ثم أشار للتنمية في البنية التحتية وكيفية تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي رابطا ذلك في مستقبل الأردن وشعبه، ثم شدد علي الأمن المائي كقضية وجودية مكررا المياه ثلاثاً، معتبرا ان أمننا المائي أولوية وطنية ولن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف لاسيما في وقت تتزايد فيه أطماع الإقليم، وضعه الملك في مرتبة الدفاع والأمن القومي، مؤكدا ان هذه الركيزة باتت أولوية وان موارد الوطن لا يقبل التراجع او التهاون فيها.
ثم شدد على ماهية الوظيفة العامة وانها خدمة لا تشريفا إذ أشار: «لا مكان في بلدنا وبيننا لمن يظن أن المنصب والوظيفة العامة هي تشريف يرفّعه عن العمل أو خدمة الناس ومصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه رافعا الحصانة عن المقصرين في رسالة حازمة لكل مسؤول بأن الملك سيكون مراقباً شخصياً للأداء، ولا يبدو ان الامر ينتهي عند التنبيه بل وصل حد المراقبة العليا.
وتحدث عن سعة الصدر والاختلاف الرشيد مشددا في خطابه ان صدر هذا الوطن وصدره رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول، و»من أحب الأردن حفظ له جميل في العطاء وكرامة الكلمة وأدب الاختلاف.
لتبدو ان رسالة التحديث السياسي لا إقصاء فيها بل احترام للاختلاف المسؤول مبينا ان المواطنة الأردنية شرف ومسؤول ولا يجب أن تحرفه اي بوصلة.
لاسيما عند ختم خطابه قائلا: أنتم موضع ثقتي، وأهلي وعشيرتي أمانة في عنقي» و «أعتمد بعد الله على برّكم بهذه الأرض فيبقى الأردن عزيزاً كبير القدر والمقدار».
فهذا صلب الخطاب وتأكيده الضمانة الملكية والدستورية.
فلم يكن خطاب افتتاح دورة عادية، بل كان خطاب تثبيت بعد هزة الكرك اي ان العرش الذي يلبس فيه حداد أهلها – بمدرقة كركية – هو نفسه العرش الذي يقود الدولة التي تقول للإرهاب «سنكون له بالمرصاد ،فهذا هو العقد الاجتماعي : عرش ودولة تحزن وتفرح معك فتأتي بالتي هي أحسن ثم تقاتل عنك ببسالة لنرسم ديدن النشامى و النشميات في لوحة خطابية للملك عبدالله الثاني ستبقى في الاذهان تترجم في كل مرة لمدرسة سياسية كيف تدار الأوطان وكيف تحفظ كرامة أهلها .



التعليقات مغلقة.