اعتصامات القطاع الخاص!
الاعتصامات والاحتجاجات العمالية كانت السمة الأبرز للمشهد العام في السنوات الخمس الماضية، وكانت مؤسسات الدولة بمختلف مستوياتها تتعامل بمرونة عالية معها، مع بعض الشدة أحيانا، والنتيجة النهائية أنه تم احتواء تلك الحركات واستيعابها بعقلانية عالية، حافظت على الهدوء والاستقرار العام في البلاد.
اليوم بدأت تتصاعد لهجة الاعتصامات من قبل بعض فعاليات القطاع الخاص احتجاجا على قرارات الحكومة الأخيرة المرتبطة أساسا باتفاقها مع صندوق النقد الدولي، وبدأ البعض يلوّح بالتهديد بالاعتصامات المفتوحة، حتى أن البعض خرج عن السياق المألوف وهددوا بحرق محلاتهم التجارية إذا لم تستجب الحكومة لمطالبهم.
في الحقيقة؛ إن هذه اللغة طارئة على القطاع الخاص وليست أصيلة، ولم يسبق في الأردن أن خرجت فعاليات من القطاع الخاص عن الإطار العام للدولة، ولطالما كانت غرف التجارة والصناعة الضامن الحقيقي لمطالب القطاع الخاص، والناقل لها للحكومة ضمن الإطار المؤسسي المعروف.
لكن ما يحدث الآن هو أمر يجب أن تتعامل معه الدولة، وبالتعاون مع مؤسسات القطاع الخاص الفاعلة بحكمة عالية لعدة أسباب، فالقطاع الخاص في الأردن يعيش منذ سنوات قليلة أوضاع اقتصادية صعبة للغاية، فالثقة الاستهلاكية في تراجع، وإغلاق الحدود ساهم هو الآخر في هبوط عام لأعمال وأنشطة الكثير من الأعمال، وضعف القوة الشرائية للمواطن أدى إلى انخفاض الإقبال على الأسواق وتكدس البضائع رغم الانخفاضات في الأسعار بشكل عام.
بمعنى أن القطاع الخاص ليس في أفضل حالاته، وقد كشفت دائرة الإحصاءات العامة أن القطاع الأكثر تشغيلا للعمالة في الأردن وهو قطاع تجارة التجزئة والجملة هو الأقل نموا في الربع الأول من هذا العام بنسبة نمو لم تتجاوز 1.6 بالمائة من إجمالي نمو حقيقي بلغ 2.3 بالمائة، وهو ما يفرض على راسم السياسة الاقتصادية دق ناقوس الخطر.
مطالب القطاع الخاص بالعموم محقة، ولا يختلف عليها اثنان، حتى أن الحكومة تتفهم وجهة النظر تماما، لكن القضية في هذه المرحلة مرتبطة بأولويات حل الأزمة التي يعيشها الاقتصاد الأردني، والتي ليس للقطاع الخاص علاقة بها لا من قريب أو من بعيد، فغالبية الاختلالات الاقتصادية هي نتيجة مباشرة لسوء الإدارات الحكومية للاقتصاد الوطني، وهذا الأمر يفرض على الحكومة أن تكون أكثر تفهما لمطالب القطاع الخاص، وأن تجعل من الحوار نهجا دائما يفضي في النهاية إلى تفاهمات حقيقية تجعل كلا الجانبين يتحملان مسؤولياتهما الوطنية تجاه الاقتصاد الوطني.
أما لغة التصعيد والاعتصامات فهي أسلوب لا يؤدي إلى حل المشاكل أبدا، لا بل تزيدها تعقيدا، خاصة في ظل الضغوطات الاقتصادية الخارجية التي تتعرض لها الحكومة، والتي تحتم عليها الالتزام بالاتفاق مع الصندوق وعدم التنازل عن أي بند فيه.
[email protected]
[email protected]

