صحيفة الكترونية اردنية شاملة

ترامب وسياسة التخويف

0

في خطاب ألقاه مساء الخميس الماضي، قدم دونالد ترامب نسخة مشوّهة لواحد من أعظم الخطابات في تاريخ الولايات المتحدة، وهو الخطاب الافتتاحي للرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت لدورة رئاسته الأولى عام 1933. ففي خضمّ أسوأ أزمة اقتصادية عرفها العالم، هي التي أصبحت تعرف باسم «الركود العظيم»، استهل روزفلت خطابه بالتأكيد على قناعته الراسخة بأن «الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه هو الخوف ذاته، لأنه يشكل نوعاً من الرهاب الغامض المتعارض مع المنطق، وليس له ما يبرره».

وفي المقابل قال ترامب: «لقد أصبحت أميركا بيئة خطرة بالنسبة لكل إنسان، وبأكثر مما رأيت في حياتي أو مما رأى أي إنسان آخر في هذه القاعة». هذا في حين أضاف روزفلت إلى قوله السابق، وبكل هدوء: «ونحن لم نبتلَ بوباء الطاعون أو تهاجمنا أسراب الجراد، وهي المشاكل التي اعتاد أجدادنا مواجهتها بتصميم لأنهم كانوا مؤمنين ولم يتسرب الخوف إلى نفوسهم، ولا يزال لدينا الآن كثير مما يتوجب علينا أن نشكر الله عليه».

وفي خطاب ترامب، بخلاف روزفلت، فإن الولايات المتحدة أصبحت في حالة من «الموت والدمار والإرهاب والضعف»، ويجتاحها الفقر والعنف! وهو يرسم صورة لأمة تواجه أخطاراً مستوطنة لا حل لها، ويضيف: «إن الهجوم على رجال الشرطة، والإرهاب الذي يعم مدننا، هي أخطار تهدد طريقتنا الخاصة في العيش».

ويفرّق علماء السلوك عادة بين التفكير السريع والتفكير البطيء. فالتفكير السريع يحدث في النظام العقلي رقم1، ويعرف بأنه: آلي وحدسي وعاطفي في أغلب الأحوال. وفي المقابل يحدث التفكير البطيء ضمن النظام العقلي رقم 2، وهو متأنٍّ وتأملي وميّال إلى الاهتمام بالإحصائيات والبيانات. ووفقاً لهذين التعريفين، يكاد يكون من المستحيل أن نرى مترشحاً يعمل عقله بالنظام رقم 1 مثل ترامب. (وعلى العكس من ذلك، يعمل عقل هيلاري كلينتون وفقاً للنظام رقم 2).

وتجدر الملاحظة إلى أن «النظام رقم 1» للمترشحين يكون شديد الاختلاف فيما بينهم من النواحي السلوكية. ومن خلال سعيه لتفعيل مشاعر الخوف غير المبرر عند الناس، وابتداع المواقف الخطيرة التي يصعب التحكم فيها، وحماسته في تفعيل مشاعر الغضب والاحتقان في أوساط الناس، يمثل ترامب شخصاً لا مثيل له بين المصنفين ضمن هذا النظام.

وكان الرئيسان جون كينيدي ورونالد ريجان ينتميان للنظام رقم1 عندما ترشحا لانتخابات الرئاسة، إلا أنهما تمكنا من التفاعل المباشر مع مشاعر وهموم الناس، ونجحا أيضاً في ما نجح فيه روزفلت عندما تمكنا من رسم الابتسامة على أوجه الناس ودفعا بهم إلى الإحساس بالسكينة وراحة البال بدلاً من إصابتهم بالهستيريا.

وعندما وجه المراقبون الانتقادات إلى الرئيس جون كينيدي عندما عمد إلى تعيين أخيه روبرت نائباً عاماً قبل أن يبلغ عمره 35 عاماً، قال: «لست أرى ما يضير في أن أمنح أخي بوبي بعض الخبرة القانونية قبل أن يترك هذه الوظيفة ويمارس عمله الحر في ميدان المحاماة». وعندما سئل رونالد ريجان خلال مناظرته الانتخابية الرئاسية مع «والتر مونديل» بأن عمره الذي بلغ (73 عاماً) لم يعد يسمح له بإعادة الانتخاب رئيساً، أجاب: «لن أجعل من مسألة العمر قضية في حملتي، ويكفي أن أقول إن منافسي شاب ولكنه عديم الخبرة».

وعلى رغم المخاطر الكبرى التي كانت تتعرض لها أميركا أيام كينيدي وريجان، إلا أنهما كانا يتناولان تلك الأخطار في أحاديثهما من دون إثارة الخوف في نفوس المواطنين. ويحسب لهما نجاحهما في إشاعة جو من التفاؤل والمزاج السعيد حتى في الظروف الصعبة. وخلال حياته كلها، لم يلقِ ريجان خطاباً شبيهاً بذلك الذي ألقاه ترامب ليلة الخميس الماضي.

لقد كانت الولايات المتحدة وستبقى أمة يعمّها التفاؤل. ولم يُكتب لأي مرشح الفوز في الانتخابات الرئاسية إذا كان يعمل على زرع مشاعر الخوف والرعب في عقول الناس وقلوبهم، والإيحاء للناخبين بأن نهاية العالم قد أتت أو بأن القادة باتوا عاجزين عن فعل أي شيء على النحو الصحيح، لأن مثل هذه الحيل انتهى عهدها تماماً.

لقد تمكن كينيدي وريجان من مواجهة المشاكل التي كانت تعاني منها الولايات المتحدة من دون الحاجة لإخافة الناس ودفعهم إلى اليأس. ومن المستبعد أن يتمكن ترامب من محاكاة سلوكهما لأن ذلك يمثل بالنسبة له تحدياً كبيراً.

————–

كاس سينشتاين

مدير برنامج الاقتصاد السلوكي في كلية الحقوق بجامعةهارفارد

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.