صحيفة الكترونية اردنية شاملة

«تلاعب الفواتير» يفقد الدول النامية 67 % من عوائد صادراتها

0

كشفت منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” في أول بيانات من نوعها أن بعض البلدان النامية المعتمدة على تصدير السلع الأساسية تفقد نحو 67 في المائة من عوائد صادراتها، التي تقدر بمليارات الدولارات بسبب “التلاعب في الفواتير”.

وقالت لـ «الاقتصادية» “أونكتاد” التي تحلل هذه المسألة لبلدان بعينها للمرة الأولى في تاريخها، إن التلاعب في الفواتير هو أحد أكبر أسباب التدفقات المالية غير المشروعة من البلدان النامية، وأن بلدانا تخسر أموالا ضخمة تقدر بالمليارات من إيرادات النقد الأجنبي، وعوائد الضرائب، والدخول التي يمكن، لولا ذلك، أن تنفق على التنمية. وجاءت دراسة “أونكتاد” التي تصدر بمناسبة عقدها “المنتدى العالمي السابع للسلع الأساسية” في العاصمة الكينية نيروبي، والمكرس أساسا لبحث موضوع التلاعب بفواتير الصادرات في القارة الإفريقية تحديدا، إذ يناقش القضايا الحرجة في تقاطع السلع الأساسية والتنمية، ووضع إطار لمناقشات السياسات الدولية حول السلع الأساسية، والتحديات التي تواجهها البلدان النامية بغية تحقيق أهدافها الوطنية عام 2030.

ويناقش المشاركون في المنتدى “كسر سلاسل الاعتماد على السلع الأساسية”، وكيف يمكن للبلدان النامية المعتمدة على السلع الأساسية التكيف مع ما يسمى “الصدمة التوأم”، أي انخفاض أسعار السلع الأساسية وتقلص الطلب من الاقتصادات الناشئة في الوقت ذاته، وهي الصدمة التي لا يزال العالم يمر بها منذ منتصف عام 2014.

وتنبع قيمة الدراسة من استخدامها بيانات رسمية تتعلق بعقدين من السنين تغطي صادرات السلع الأساسية مثل الكاكاو، والنحاس، والذهب، والنفط من خمس دول نامية غنية بالمصادر الطبيعية وهى، شيلي، وساحل العاج، ونيجيريا وجنوب إفريقيا، وزامبيا، ولا تشمل الدراسة الدول المصدرة فحسب، بل تشمل الدول الرئيسة المستوردة أيضا، وتظهر من بينها الصين، والهند، وإيطاليا، وكوريا الجنوبية، وبريطانيا، ومصر، وغيرها.

ومن النتائج التي توصلت إليها الدراسة، أنه بين عامي 2000 و2014، بلغت قيمة التلاعب بقيمة الفواتير من صادرات الذهب من جنوب إفريقيا 78.2 مليار دولار، أو 67 في المائة من إجمالي صادرات البلاد من الذهب، ويظهر من تفاصيل الأرقام أن التلاعب في فواتير التجارة مع الشركاء الرئيسيين استحوذ على الحصة الأعلى، أو على النحو التالي: الهند (40 مليار دولار)؛ وهونج كونج (18.4 مليار)؛ وإيطاليا (15.5 مليار)؛ وبريطانيا (13.7 مليار)، وتركيا (9.9 مليار)، وتايلاند (4.7 مليار)، وزيمبابوي (2.9 مليار)، وسويسرا (2.5 مليار).

وراوحت قيمة التلاعب بفواتير الصادرات في أربع دول هي ألمانيا، والولايات المتحدة، وأستراليا، وبلجيكا تشتري الذهب من جنوب إفريقيا بين عدة مئات وعدة عشرات الملايين من الدولارات، أو 576.9 مليون، و575.1، و102.8، و70.0 مليونا على التوالي.

وفي مثال آخر يتعلق بصادرات النفط، تظهر الدراسة أنه بين عام 1996 و2014، فقد تقلصت قيمة فواتير صادرات النفط من نيجيريا إلى الولايات المتحدة بنحو 69.8 مليار دولار، أو 24.9 في المائة من جميع صادرات نفط هذه الدولة الإفريقية إلى الولايات المتحدة.

والأمر المربك فيما تقوله “أونكتاد”، هو تأكيدها على أنه لا توجد بيانات عن واردات وصادرات نيجيريا في قاعدة بيانات إحصاءات الأمم المتحدة لعامي 2004 و2005، لكنها تؤكد أن قاعدة بيانات إدارة صندوق النقد الدولي لإحصاءات التجارة تتضمن سلسلة كاملة من البيانات بما في ذلك هذين العامين.

تلاعب منهجي بفواتير التجارة في تصدير الكاكاو من ساحل العاج لشركائها التجاريين.

وتنقسم نتائج نيجيريا، أو طريقة التلاعب في فواتير صادرات النفط إلى فترتين فرعيتين،(1996-2003)، (2006 – 2014)، ففي تفاصيل أرقام “أونكتاد”، يتغير نمط التلاعب في فواتير تصدير النفط في نيجيريا على مر الزمن، فقد تم التحول من نظام تقليص فواتير التصدير على مدى فترة 1996 – 2003 إلى تضخيم فواتير التصدير من عام 2006 – 2014. وفي الفترة الأولى، بلغ إجمالي “تقليص” فواتير صادرات النفط 35.9 مليار دولار، مع أكبر الشركاء التجاريين الـ 17. وهو رقم يمثل 32 في المائة من الصادرات التراكمية لنيجيريا من النفط لهذه المجموعة من الشركاء.

من ناحية أخرى، كان هناك ما يقدر بـ 29.7 مليار دولار قيمة “تضخيم” فواتير الصادرات النفطية للشركاء التجاريين الـ 17 في الفترة الثانية (من 2006 إلى 2014)، ولكن نظرا للمستويات العالية جدا من صادرات النفط خلال هذه الفترة، لم يمثل هذا الرقم سوى 4.9 في المائة فقط من المجموع التراكمي لصادرات البلاد النفطية إلى هذه المجموعة من الشركاء التجاريين.

وعند تحليل الشركاء التجاريين، تظهر النتائج أن التجارة مع 5 من أصل 17 من الشركاء الرئيسيين جرى خلالها تقليص في فواتير التصدير، بينما ظهر مع الآخرين تضخيم في الفواتير، وأكبر كمية من تضخيم الفواتير كانت في التجارة مع الولايات المتحدة (69.7 مليار دولار) وألمانيا (23.9 مليار دولار).

وتظهر التجارة مع إيطاليا وهولندا مستويات عالية جدا من تضخيم فواتير التصدير، أو بإجمالي مبلغ قدره 25.1 مليار و20.5 مليار على التوالي، وهذه الممارسة سائدة أيضا في تجارة نيجيريا مع البرازيل وكندا، وفرنسا، وغانا، والهند، وكوريا الجنوبية، وجنوب إفريقيا. وسجلت زامبيا بين عامي 1995 و2014، مبلغ 28.9 مليار دولار من صادرات النحاس إلى سويسرا، أو أكثر من نصف جميع صادراتها من النحاس (51.3 في المائة)، إلا أن هذه الصادرات لم تظهر في السجلات التجارية الرسمية في سويسرا.

وقد بلغت قيمة التلاعب بقيمة الفواتير من صادرات النحاس من زامبيا 14.4 مليار دولار، ويظهر من تفاصيل الأرقام أن التجارة مع الشركاء الرئيسيين استحوذت على الحصة الأعلى، على النحو التالي: الصين (5.6 مليار دولار)؛ وبريطانيا (4.3 مليار)؛ وكوريا الجنوبية (3.9 مليار)؛ وإيطاليا (2.0 مليار)؛ وجنوب إفريقيا (1.5 مليار)؛ ومصر (1.1 مليار)؛ وتايلاند 839 مليون دولار؛ والهند 691 مليون؛ وتنزانيا 585 مليون؛ وسنغافورة 272 مليون؛ واليابان 168 مليون؛ وماليزيا 73 مليون.

وبين أعوام 1990 و2014، سجلت شيلي 16 مليار دولار من صادرات النحاس إلى هولندا، لكن هذه الصادرات لم تظهر برمتها في سجلات هولندا، على الرغم من أنها ظهرت في سجلات شيلي، كما أظهر الشركاء التجاريون لشيلي تلاعبا كبيرا في فواتير صادرات النحاس.

وفي حالة الصين، على سبيل المثال، كان هناك تضخيم في كل من فواتير التصدير لمنتجات النحاس المكرر بمبلغ قيمته 3.4 مليار دولار، وتقليص في فواتير تصدير خامات النحاس بقيمة 4.2 مليار دولار، أسفر عن صافي في التضخيم لاثنين من المنتجات بمبلغ إجمالي قدره 791 مليون دولار.

وفي تجارة شيلي مع اليابان، الشريك التجاري الرئيسي الثاني، يظهر التلاعب في الفواتير كبيرا من ناحية صادرات النحاس للفئتين الصافي والخام، 4.1 مليار دولار، و1.8 مليار، على التوالي، مع إجمالي في تضخيم فواتير الصادرات بمبلغ 5.9 مليار دولار.

وفي الزراعة، يظهر التلاعب في فواتير التصدير جليا في منتج الكاكاو بين عامي 1995 و2014، فقد سجلت ساحل العاج 17.2 مليار دولار من صادرات الكاكاو إلى هولندا، منها مبلغ 5 مليار دولار (أو 31.3 في المائة) لم تظهر في السجلات التجارية لهولندا.

صادرات الذهب أبرز المعادن التي تتعرض لتلاعب في الفواتير في جنوب إفريقيا.

وتظهر صادرات ساحل العاج من الكاكاو تركيزا جغرافيا قويا، فأكبر شريكين تجاريين لها يستحوذان على ما يقرب من 50 في المائة من مجموع صادرات البلاد توجد هولندا بحجم 31.3 في المائة، والولايات المتحدة بنسبة 18.3 في المائة.

وتظهر تقديرات التلاعب بفواتير التجارة تقليصات منهجية في تصدير الكاكاو لشركاء ساحل العاج التجاريين العشرة الكبار خلال الفترة 1995 ـ 2014، ومع ذلك، فالنتائج الإجمالية تتأثر بشدة من جانبي ألمانيا وهولندا.

وقد ولدت التجارة مع هولندا مبلغا تراكميا بقيمة 4.9 مليار دولار من تضخيم فواتير التصدير، أو 248 مليون دولار سنويا، وتعد إسبانيا الشريك التجاري الوحيد في العينة التي جرى معها تضخيم فواتير التصدير، على الرغم من أن القيمة صغيرة نسبيا (متوسط سنوي قدره مليونا دولار).

وإذا استبعدت هولندا، ستظهر النتائج تقليصا في فواتير التصدير في كل سنة، والمبلغ التراكمي لتقليص التصدير على مدى فترة 1995 2014 سيزداد إلى أكثر من الضعف، ليصل إلى 8.7 مليار دولار.

وأوضحت “أونكتاد” أن الأمر يستحق التحقيق في السجلات التجارية في ساحل العاج وغيرها من البلدان الإفريقية لتحديد ما إذا كانت المشكلة تتعلق فقط بتسجيل وجهة الصادرات لا غيرها، أم هي قضية “تهريب نقية”، فمن الممكن أن يتم تسجيل الصادرات كأنها موجهة إلى مستورد في هولندا لكن في الواقع هو لا يقيم هناك، وفي هذه الحالة لا يتم تسجيل الشحنة في السجل التجاري والإحصاءات التجارية الهولندية.

وولدت التجارة مع ألمانيا تقليصا جوهريا في فواتير الصادرات بمبلغ تراكمي قدرته “أونكتاد” بـ 4.5 مليار دولار أو 182.5 مليون دولار سنويا، وكان حجم صادرات الفواتير التي تم تقليصها أعلى من كمية الصادرات إلى ألمانيا، طبقا لما تم تسجيله في بيانات ساحل العاج (3.6 مليار دولار)، وقد بلغت قيمة الواردات من الكاكاو من ساحل العاج 8.6 مليار على مدى 20 سنة.

وأظهرت التجارة مع فرنسا حجما كبيرا نسبيا من صادرات الكاكاو التي تم تقليص فواتيرها، والمبلغ التراكمي لمبلغ لـ 1.4 مليار دولار يمثل 28 في المائة من صادرات ساحل العاج من الكاكاو إلى فرنسا خلال تلك الفترة.

وتعتبر الولايات المتحدة ثاني أكبر مستورد للكاكاو من ساحل العاج، لكن، خلافا لهولندا، تظهر النتائج أدلة قليلة نسبيا في التلاعب في فواتير الصادرات، وعلى مدى فترة 20 سنة، ولدت تجارة الكاكاو بين الولايات المتحدة وساحل العاج 492 مليون دولار من الصادرات التي تم تقليص فواتيرها، وهو ما يمثل 4.8 في المائة من إجمالي صادرات الكاكاو إلى الولايات المتحدة.

وبين أعوام 2000 و2014، تقلصت قيمة الفواتير من صادرات جنوب إفريقيا من خام الحديد إلى الصين لأكثر من 3 مليارات دولار، وهذا ما تقوله “أونكتاد” عن الصين كمثال، يمكن أن يقاس عليه، كما تظهر صادرات خام الحديد من جنوب إفريقيا بتركيز جغرافي الأكثر تطرفا بين البلدان والمنتجات التي شملتها دراسة “أونكتاد”، فبكين وحدها تمثل 61.7 في المائة من صادرات خام الحديد الإجمالية، تليها اليابان بنسبة 13 في المائة، ثم ألمانيا بنسبة 5.1 في المائة.

وتقرأ “الاقتصادية” في أرقام منظمة الأمم المتحدة أن صادرات جنوب إفريقيا من خام الحديد، التي ارتفعت باطراد وبسرعة حتى عام 2010، صاحبتها على قدم المساواة زيادة سريعة في تقليص فواتير التصدير، لكن كان هناك تغيير جذري في النمط بعد عام 2010، فمن تقليص منتظم في فواتير التصدير إلى تضخيم منتظم في الفواتير.

وفيما يتعلق بوجهات التصدير الرئيسة السبع لجنوب إفريقيا، فقد كان هناك مبلغ تراكمي للتصدير من تقليص فواتير الصادرات بقيمة 5.6 مليار دولار على مدى عشر سنوات (2000 ـ 2010)، أو مبلغ 512 مليون دولار سنويا.

في المقابل، وعلى مدى السنوات 2011 – 2014، سجلت البلاد مبلغ 1.3 مليار دولار من تضخيم فواتير تصدير خام الحديد أو مبلغ 338 مليون دولار سنويا، وهذا النمط جاء أساسا من التجارة مع هولندا واليابان اللذين أظهرا قدرا كبيرا من تضخيم فواتير التصدير خلال الفترة 2011 ـ 2014. إذا ما تم استبعاد هذين البلدين، فإن تضخيم فواتير التصدير ستظهر فقط في عام 2010، لتصل قيمتها إلى 68.8 مليون دولار.

وأشارت لـ “الاقتصادية”، كاترين ويزو، مسؤولة العلاقات العامة في “أونكتاد” إلى أن الهدف من الدراسة هو تقدير، ومن ثم التحقق من مدى التلاعب في فواتير السلع الأولية في عينة من البلدان النامية الغنية بالموارد، مضيفة أن الدراسة تنبع من الطابع التمثيلي للسلع التي تم التحقيق فيها، وعدم تجانس البلدان التي غطتها العينة التي تحمل تشابها مهما فضلا عن اختلافات جوهرية.

ويؤكد تحليل البيانات الهيمنة المعروفة على نطاق واسع للسلع الأولية في صادرات هذه البلدان، لكن يسلط الضوء أيضا على بعد مهم آخر، إلا وهو أن القليل من الدول الاقتصادية الكبرى أو الشركاء التجاريين للدول النامية يستأثر على حصة كبيرة من صادرات السلع الأولية الإجمالية لكل واحد من بلدان العينة الخمس التي تم استعراضها.

وتبين النتائج وجود حجم كبير من التلاعب في فواتير التصدير، سواء في تقليص الفواتير أو تضخيمها في جميع البلدان الخمسة، مع رجحان واضح في تقليص فواتير التصدير في كافة منتجات السلع الأساسية، باستثناء صادرات النحاس في شيلي. ولذلك، تقول “أونكتاد” إنه من الواضح أن التلاعب في فواتير التصدير إنما هو قناة مهمة لهروب رؤوس الأموال من هذه البلدان، وتظهر النتائج في حالة نيجيريا، أن التلاعب في الفواتير يجري على صعيدي الصادرات والواردات.

وفي الصادرات يحدث التضخيم والتقليص على حد سواء، لكن تقليص فواتير الصادرات هو السائد، مما يشير إلى هروب رأس المال بشكل صاف، وفي حالة الواردات النفطية، يبدو أن هناك تهريب منهجي للنفط إلى داخل البلد.

وتظهر الدراسة عددا من النتائج الرئيسية على مستوى المنتج، الأول هو “القضية المحيرة” من صادرات الذهب من جنوب إفريقيا، حيث تورد الإحصاءات الرسمية للبلاد القليل جدا من صادرات الذهب، بينما تظهر مبالغ كبيرة في السجلات التجارية للشركاء الرئيسيين. وتقول “أونكتاد” عن هذه النقطة إنه لا يبدو أن هذه الفروق بين أرقام البلد المصدر وأرقام الشركاء التجاريين مسألة بسيطة ناجمة عن ضعف تقدير قيمة كميات الذهب المصدر، بل هي حالة نقية واضحة من تهريب الذهب إلى خارج البلاد.

ثانيا، أن هناك منتجات مماثلة تظهر أنماطا مختلفة من التلاعب في الفواتير عبر البلدان المصدرة، وحتى مع الشركاء التجاريين أنفسهم، ففي شيلي، على سبيل المثال، هناك تضخيم منتظم وواسع النطاق في فواتير صادرات النحاس، في حين تظهر نتائج زامبيا تقليصا وتضخيما، على حد سواء، في فواتير صادرات المعدن ذاته.

وترى “أونكتاد” أن الأمر يستحق التحقيق في مصادر هذه الاختلافات، خاصة من زاوية، ما إذا كانت هذه الفوارق تنشأ عن اختلافات في نظم تنظيم التجارة، أو النظم الضريبية، أو نظم مراقبة رأس المال بين البلدين، أم أن هناك سرقات، وهروب رؤوس أموال، ومنتجات أولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.