بريطانيا تضع الاتحاد الأوروبي أمام تحد وجودي
عبر الناخبون البريطانيون عن رفض تاريخي للاتحاد الأوروبي، واضعين في الاتجاه المعاكس 70 عاما من التكامل، الأمر الذي يترك الكتلة في مواجهة أكبر تحد وجودي منذ سقوط جدار برلين.
أي طلاق سيستغرق سنوات، لكنها لحظة يخشاها قادة الاتحاد الأوروبي جميعا: هزة مع احتمال تفكك ليس فقط الاتحاد ولكن إعادة تشكيل نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية في الغرب. مغادرة بريطانيا تضعف من الروابط التي كانت تمسك بالتكتل مجتمعا، وبالموقف الجماعي، ونفوذ الأعضاء.
الاتحاد الأوروبي يعتبر في وضع حرج. بمجرد مغادرة بريطانيا، سيفقد الاتحاد أكبر منفق عسكري له، ومقعدا في مجلس الأمن الدولي، وثاني أكبر اقتصاد في التكتل، وواحدا من أبرز الأبطال وأعلاهم صوتا في التجارة العالمية والاقتصادات الليبرالية.
مؤيدو مغادرة بريطانيا مقتنعون بأن التحالفات الدبلوماسية التي سبقت انضمام بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1973 سوف تصمد وتزدهر بمجرد أن يتم التخلص من أغلال الاتحاد الأوروبي. لكن ثقتهم ليست مشتركة على نطاق واسع خارج حدود بريطانيا. جميع الحلفاء التقليديين دون استثناء حثوا المملكة المتحدة على عدم المغادرة.
الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، قال إن عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي كانت تعطي واشنطن “ثقة كبيرة جدا بقوة الاتحاد عبر الأطلسي”.
وقال دونالد تاسك، رئيس المجلس الأوروبي: “إنني أدرك تماما مدى خطورة، أو حتى مدى إثارة هذه اللحظة من الناحية السياسية وليست هناك وسيلة للتنبؤ بكل العواقب السياسية لهذا الحدث، خاصة من أجل المملكة المتحدة”.
ويرى دبلوماسيون أن نتيجة الاستفتاء تحدث ضعفا وتشققا في نسيج الاتحاد وتكشف ما إذا كانت أوروبا مستعدة للاتحاد معا لفترة أطول.
وفي حين حذر عدد كبير من القادة الأوروبيين من الرد على نتيجة الاستفتاء المناهضة للتكامل الأوروبي برسالة “أوروبا أكثر”، يجب عليهم إيجاد وسيلة لإيقاف انتشار العدوى. وقال وزير الخارجية البولندي، فيتولد فاسزسيكوفكسي، أمس الأول إن بلاده تريد أن تبقى في الاتحاد الأوروبي “لكن السؤال بأي شكل”.
وقال تاسك إنه سيقترح على زعماء الاتحاد الأوروبي “بدء التفكير بشكل أوسع حول مستقبل اتحادنا”.
ما يلوح كثيرا في الأفق سيكون الخطر في أن السياسيين اليمينيين المتطرفين سيحققون المزيد من المكاسب، من جيرت فيلدرز في هولندا إلى مارين لوبان، التي تريد أن يكون لفرنسا استفتاء خاص بها.
مجموعة متشددة من بلدان الاتحاد الأوروبي – بقيادة فرنسا – تريد تقديم رسالة قوية بأن مغادرة بريطانيا ستكون منظمة وسريعة ومكلفة حتما لبريطانيا.
وقال مانفريد فيبر، زعيم كتلة يمين الوسط في البرلمان الأوروبي: “يجب أن تنتهي مفاوضات الخروج في غضون سنتين كحد أقصى”.
سياسيون آخرون في ألمانيا يتخذون موقفا أكثر حذرا ويأملون في أن رد فعل الأسواق سيوضح نتائج الاستفتاء. وقال نوربرت روتجن، وهو عضو بارز في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل، إن على ألمانيا واجب الإبقاء على الاتحاد الأوروبي متحدا. “يجب أن يكون الهدف الأسمى الآن هو تأمين الوحدة والتماسك في أوروبا”.
ميركل والرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، يعتزمان إظهار أنه لا تزال هناك طاقة ضمن المشروع الأوروبي، ربما من خلال إشارات أعمق للتعاون في مجال مراقبة الحدود والدفاع والأمن.
وحذر سيجمار جابرييل، نائب الرئيس الألماني، من أن خروج المملكة المتحدة من شأنه أن يترك الكتلة تتطلع إلى العالم مثل “قارة لا يمكن حقا الاعتماد عليها”. الاتحاد الأوروبي وبريطانيا على حد سواء يخشيان من أن هذا الانفصال سيضر حتما بقوتهما الناعمة، مع تطلع العالم الخارجي إليهما على اعتبار أنهما قوى منقسمة وعتيقة الطراز. وقال بوريس جونسون، المؤيد الرائد لمغادرة بريطانيا، إن مثيري الذعر بالغوا إلى حد كبير في الخطر على النظام الغربي الذي تأسس حول التحالف الدفاعي الأطلسي. ومغادرة بريطانيا للاتحاد ستجعل “بريطانيا ديناميكية، وليبرالية، وعالمية، ومنفتحة، وذات تداول حر، ومزدهرة “.
لكن مؤيدو مغادرة بريطانيا يرون أن ذلك سيستغرق وقتا. أوروبا تواجه سنوات من محادثات عقابية مطولة، ومثيرة للانقسام بخصوص الخروج الذي من شأنه أن يستنزف الطاقة ويشغل القادة. وتساءل أحد سفراء الاتحاد الأوروبي: “كيف سنفسر هذا للعالم؟”.
وفيما يتعلق بالقرارات الحاسمة للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، يرى دبلوماسيون أن الأثر سيكون ملموسا على كل شيء من التوافق الهش على سياسة العقوبات ضد روسيا إلى الشهية السياسية المتراجعة بالفعل في الكتلة لعقد صفقات تجارية.
وعلى المدى الطويل، السؤال هو ما إذا كان المنتدى المعتاد للتفاعل المقدم من الاتحاد الأوروبي سيتم استبداله وما إذا كان الانسحاب البريطاني سيقلب التوقعات السياسية للكتلة.
سيعتمد الكثير من ذلك على الولايات المتحدة. قال مسؤول أمريكي إنهم يشكون في أن “الكارثة التي أحدثتها أوروبا لنفسها” ستجعل واشنطن تضاعف بشكل جدي تركيزها واهتمامها بالقارة، أو في الواقع ببريطانيا، إلا إذا اضطرت لذلك.
لكن سيكون هناك تحول في التركيز. قال مسؤول بريطاني: “هذا يعمل على تسارع الاتجاه العام في أن يعمل الأمريكيون مع الألمان والفرنسيين. فليس لديهم خيار في ذلك”.

