العاطلون عن العمل والمعالجات الأمنية
ثنائيتان هامتان وردتا في القرآن الكريم بقوله تعالى: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4(. صدق الله العظيم. وفي هذا المقال القصير سآخذ الثنائية الأولى المتعلقة بالجانب المعيشي، تاركا الثنائية الثانية المتعلقة بالنواحي الأمنية إلى مناسبة أخرى.
فمن المعروف أن للجوع تأثير كبير على صحة الإنسان ومعيشته، وقد يدفعه مضطرا إلى ارتكاب الجريمة لتأمين طعامه واستمرارية حياته، أو يصبر على جوعه وإذا ما استفحل الأمر ولم يجد ما يسد به رمقه قد يفقد حياته. وتأكيدا لذلك قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ” لو كان الجوع رجلا لقتلته “. وقال أبو ذر الغفاري : ” عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، ألا يخرج على الناس شاهرا سيفه “. أما في البيئة العسكرية فقال نابليون: ” الجيوش تزحف على بطونها “. وهذا يدلل على أهمية الطعام في استمرارية الحياة الإنسانية.
قد يكون الجوع ناتجا عن عدم توفر الطعام والشراب، بسبب الفقر والبطالة وغياب السيولة النقدية، أو بسبب حصار تفرضه جهة معادية، فتمنع وصول الإمدادات الغذائية للمحاصرين. والحالة الأولى تنطبق على سكان بعض القرى والمدن الأردنية، خاصة في مناطق الجنوب والأغوار وأطراف البادية. فهناك من يعيشون تحت خط الفقر، وبما ينعكس على خلق البطالة في مجتمعاتهم المحلية. إلا أن الكثيرون لا يجاهرون بمعاناتهم المعيشية، فتحسبهم أغنياء من التعفف.
مناسبة هذا الحديث هو ما جرى قبل بضعة أيام في مدينة ذيبان، التي لا تبعد أكثر من 50 كيلومترا عن عمان، والتي تصل بها نسبة الفقر والبطالة إلى درجة عالية. فقد قام شباب ذيبان خلال السنوات الماضية، بالعديد من الاعتصامات والمسيرات الاحتجاجية السلمية، للفت انتباه المسئولين في الحكومة إلى أوضاعهم المعيشية المتردية، مطالبين بإيجاد أعمالا لهم ولو بمردود مادي بسيط يحميهم من الجوع والعِوز. ولكن الحكومات المتعاقبة لم تُعرْ مطالبهم المشروعة أي اهتمام.
وفي هذه الأيام من شهر رمضان المبارك وتحت ضغط الحاجة، قام شباب ذيبان بنصب خيمة اعتصام جديدة في وسط البلدة، لتذكير المسئولين في الحكومة بمطالبهم السابقة، والنظر باحتياجاتهم المعيشية وتأمين مستقبلهم. وبدل أن يزورهم أحد المسئولين من أصحاب القرار ليفهم مشكلتهم ويعدهم جديا بحلها، جرى إرسال قوة أمنية لهم لتزيل خيمة الاعتصام وتفرّق المعتصمين بالقوة، الأمر الذي أدى إلى وقوع اشتباكات بين الطرفين تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة. وفي اليوم التالي أعاد المعتصمون بناء خيمتهم من جديد تأكيدا على مطالبهم السابقة.
لا أعرف ما هي الحكمة من لجوء الحكومة لاستخدام القوة، في وجه مجموعة من أبناء الوطن، يعبّرون عن مشكلتهم بأسلوب سلمي وحضاري، ويطلبون عملا شريفا يعتاشون منه ؟ وهذا في الحقيقة هو واجب مفروض على الحكومة، كفله الدستور وفرضته كل الشرائع السماوية. وقد جاء في الحديث الشريف : ” كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته “. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ” لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها : لِمَ لمْ تمهد لها الطريق يا عمر ؟
وفي هذا المجال يمكنني تقديم بعض المقترحات التي قد تعالج جزءا من هذه الأزمة، وتمنع الصدام بين رجال الأمن والمواطنين ، من بينها ما يلي:
1. الاستغناء عن العديد من الهيئات المستقلة التي تشكل عبئا على الدولة، واستخدام مخصصاتها المالية لإقامة مشاريع زراعية وصناعية بسيطة في المناطق الفقيرة، تشغّل العاطلين عن العمل.
2. التخفيف من زيارات الوفود إلى الخارج، والاعتماد على السفراء في تلك المهمات، وتحديد المؤتمرات غير الضرورية في البلاد.
3. وضع سياسة تقشف حقيقية لترشيد الاستهلاك، على أن تشمل مختلف الدوائر الرسمية والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية ومختلف المرافق الأخرى.
4. إعادة النظر بالرواتب الضخمة التي يتقاضاها كبار الموظفين، وتخفيف مشاركة بعضهم في الكثير من مجالس الإدارة، وما يترتب عليها من علاوات مادية لا ضرورة لها، باعتبار مشاركتهم جزءا من أعمالهم المعتادة.
5. استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة الفاسدين الكبار على ما اقترفوه بحق الوطن.
إن الأسلوب الصحيح لحل أية أزمة هو بتشخيصها ودراستها بعمق لمعرفة أسبابها الظاهرة والمخفية، ووضع الحلول المناسبة لها تمهيدا للشروع بحلها. أما اللجوء إلى الأسلوب الأمني العنيف، فهو وسيلة العاجز الذي يفتقد القدرة على الابتكار والمبادرة، فيؤدي إلى تعقيد المشكلة بدلا من حلها، ويزيد من الاحتقان والغضب لدى المعتصمين، وغيرهم من المواطنين ضد الدولة.
وقد يدفع هذا الإجراء بعض أولئك الشباب وخاصة صغار السن، إلى التصرف بشكل خاطئ والتوجه نحو المنظمات المتطرفة لسد احتياجاتهم، وانتقاما من الجهات الرسمية لإهمالهم وسوء التعامل معهم. وفي هذه الحالة نكون قد خلقنا أعداء للوطن من أبنائه بممارسات رسمية.
ختاما أقول : اللهم إهدِ مسئولينا إلى الصواب فإنهم لا يعجزونك، فالبعض منهم يصنعون الأزمات بأيديهم عن سابق قصد وإصرار. ورغم أنهم يستشرفون نذر الخطر ماثلة أمامهم، إلا أنهم لا يستجيبون للنصائح ويحجمون عن اتخاذ القرار المناسب، فيعرضون الأمن الوطني لأخطار كبيرة.

