تأهيل القيادات البديلة في مؤسسات الدولة
من الأمور اللافتة للانتباه في عالمنا العربي، أن من يجلس على كرسي الوظيفة من رجالات الصف الأول في المؤسسات الحكومية ، سواء كانت مدنية أو عسكرية أو أمنية، يعتبر أن ذلك المنصب هبة خصه الله تعالى بها ولا يجوز أن يحتلها غيره. ولذلك فإنه يسعى لتغييب أي شخص أخر من رجالات الصف الثاني في مؤسسته لكي لا يشكل خطرا عليه ويحل محله.
إن غياب القيادات المؤهلة من رجالات الصف الثاني في أي مؤسسة، يعتبر من أهم معيقات التطور والتنمية ليس في تلك المؤسسة فحسب، بل في تطور وتقدم الدولة بشكل عام. وهذا يؤكد بأن إعداد القيادات البديلة والمؤهلة في مؤسسات الدولة، يعتبر من أساسيات الإدارة السليمة، التي تساعد على تجديد دمائها وسد الفراغ المفاجئ بها في حال حدوثه.
وهذا الوضع يبدو جليا في مؤسسات الدولة الأردنية الرسمية. فعندما ينقل أو يحال أحد رجالات الصف الأول من دائرة معينة يحدث بها تشويش وترتبك الحكومة، كما يعيش الناس في دوامة تغذيها الإشاعات لفترة من الزمن، دون معرفة الحقيقة لماذا ذهب الحالي ومن هو القادم الجديد. قد تكون تلك الإشاعات بالونات اختبار تطلقها جهات رسمية، لمعرفة رد الفعل الشعبي على ما ستُقْدم عليه. أو قد تكون من صنع أشخاص عاديين، لتسويق بعض الأقارب والأصدقاء لغايات في نفوسهم.
تكثر هذه الإشاعات عادة عندما يكون الحدث مفاجئا وغير مخطط له، لاسيما إذا استمر الفراغ في الموقع لفترة زمنية معينة. وبعد مضي فترة الانتظار يقع التعيين لملء الفراغ بشخصية غير متوقعة قد تكون من غير رجال الصف الثاني، أو من غير أصحاب الاختصاص، أو ممن غادروا كراسي الوظيفة في سنوات خلت وتجاوزه الزمن، ولكنه رجل يحظى برضى بعض أعضاء مطبخ القرار. وهنا تكمن المأساة التي تنعكس على أداء المؤسسة ويمتد ضررها إلى مصالح الشعب، نظرا لعدم ملائمة القادم الجديد لملء الفراغ في تلك المؤسسة والأمثلة على ذلك كثيرة.
يقول الدكتور يحيى عبد المجيد إبراهيم في كتابه التحديات الإدارية وإعداد قيادات المستقبل: ” إن العُقم القيادي وغياب الصف الثاني من القيادات البديلة لمن أهم المخاطر التي تهدد مستقبل مؤسساتنا العربية “.
ولا شكّ بأن صناعة رجالات الصف الثاني تواجه تحديا كبيرا من قبل رجالات الصف الأول، لاعتقادهم بأن تأهيل هؤلاء سيشكل خطورة على مواقعهم. وبناء عليه فإنهم يحجبون عنهم المعلومات الهامة فيما يتعلق بعمل المؤسسة، ويحاولون تحييدهم والتخلص منهم إما بإظهار مساوئهم أمام القيادات العليا، أو نقلهم، أو الاستغناء عن خدماتهم وإحالتهم على التقاعد.
إن أبرز التحديات التي تواجه مؤسسات القطاع العام وتعيق تأهيل القيادات البديلة هي: تفشي الفساد، المحسوبية، غياب الشفافية، وغياب الفكر المؤسسي لخلق قيادات بديلة. والخطأ الكبير الذي ترتكبه القيادات العليا، هو غياب سياسة محددة تنظم أسلوب تأهيل القيادات البديلة، وتلزم قيادات الصف الأول على بناء قيادات الصف الثاني، من أجل التدوير والإحلال ، كمطلب رئيسي يفرضه التطور وتنمية القوى البشرية في البلاد. ولهذا فإن إعداد تلك القيادات يجب أن يشكل إستراتيجية وطنية، تعتمدها الدولة لتنمية مواردها البشرية، بدعم من أعلى مستويات صنع القرار.
يتم تأهيل القيادات البديلة باختيار الموظفين من القيادات الشابة والذين تتوفر لديهم سمات القيادة، حيث يجري تدريبهم من خلال دورات متخصصة، وإطلاعهم على سياسة وخطط المؤسسة المستقبلية، ومنحهم الثقة في العمل، وتفويضهم بممارسة بعض الصلاحيات تحت إشراف وتوجيه قيادات الصف الأول، بحيث يتم نقل المعرفة إليهم بصورة تدريجية، تؤهلهم لتولي مسؤولية الصف الأول، والتقدم في سلّم الهرم الوظيفي بجدارة.
يقول علماء الإدارة: أن إعداد البرامج لصناعة قادة المستقبل، يجب أن تراعى ثلاثة جوانب أساسية، كي تنتج قادة يتمتعون بالتوازن والقدرة على العمل بكفاءة وهي: 1. الجانب النفسي وهو ما يتعلق بالصفات والسمات الذاتية للأشخاص. 2. الجانب الفني وهو ما يتعلق بالمهارات والقدرات الذاتية للأشخاص. 3. الجانب الاجتماعي وهو ما يتعلق بالقدرة على الاتصال مع النفس ومع الآخرين.
تشمل وظائف الصف الثاني في المؤسسات المدنية، وظائف الأمناء العامين في الوزارات أو نواب المدراء أو المساعدين في بعض المؤسسات، والذين عليهم أن يكونوا بصورة العمل في دوائرهم، ليتمكنوا من تسيير العمل عند غياب المسئول الأول. إلا أن بعض أولئك المسئولين يقيدون عمل الرجل الثاني، ويحرصون على جعله خارج الصورة، لكي يطمسوا قدراته ويخلقوا فجوة بينه وبينهم، فيصبح حمولة زائدة في تلك المؤسسة يسعون للتخلص منه بأول مناسبة.
وهنا لابد من طرح السؤال التالي: لماذا يترك تقرير مصير الموظف خاصة بالدرجات العليا، إلى رغبة الوزير أو المدير بشكل فردي ؟ لماذا لا تكون هناك لجنة محددة تدرس سيرة الرجل ( المغضوب عليه ) وتقييم كفاءته، ومن ثم تقرر استمراريته بالخدمة أو الاستغناء عن خدماته إنصافا له وتحقيقا للعدالة، التي هي أساس الحكم ؟
أما في المؤسسات العسكرية فهناك نائب القائد أو مساعده، ويطلق عليه في الجيوش الأجنبية الثاني في القيادة (Second In Command ) والذي يجب أن يكون بصورة الموقف والخطط المستقبلية، خاصة في الوحدات الميدانية، ليتمكن من قيادة وحدته في أصعب الظروف، عند غياب القائد الأساسي لأي سبب من الأسباب.
نستخلص مما تقدم أن تأهيل قيادات الصف الثاني لتبوء مراكز الصف الأول، ليست عملية سهلة ولا تتم خلال فترة وجيزة، لكونها عملية تراكمية تتحقق من خلال الممارسة العملية ومع مرور الزمن. وهي على كل حال عملية معقدة ذات جانبين، تعتمد في جانبها الأول على رغبة قيادات الصف الأول في تأهيل رجالات الصف الثاني، وفي الجانب الآخر تعتمد على قدرة قيادات الصف الثاني في التفاعل، ومهارتها في تطوير نفسها واكتساب الخبرات المطلوبة.
وعند التفكير بالاستغناء عن خدمات الضباط أو إحالتهم على التقاعد، فهناك لجنة الضبط العليا التي يترأسها رئيس هيئة الأركان المشتركة، ويشارك بها رؤساء الهيئات في القيادة العامة وقادة التشكيلات وبعدد لا يقل عن 12 ضابط ، حيث يعقدون اجتماعا في مديرية شئون الضباط، يستعرضون خلاله سجل خدمة كل ضابط موصى بالاستغناء عن خدماته، والاطلاع على تأهيله العسكري وأداؤه في المراكز التي أشغلها، وتقارير رؤسائه السنوية عنه. وعلى ضوء ذلك يجري التصويت على الاستغناء عن خدماته أو إبقائه في مركزه، أو نقله إلى مركز آخر، وطلب تقارير نصف سنوية عن أدائه من رئيسه الجديد، ليجري تقرير مصيره على ضوء ذلك.
ختاما أقول أن القادة الحقيقيون، هم الذين يصنعون القيادات البديلة في مؤسسات الدولة من خلال حسن اختيارها، والاجتهاد في تأهيلها لتحمل المسؤولية، دون خلق إرباكات وهزات وظيفية في مؤسساتها الهامة، سعيا لاستمرارية التطور وتنمية القوى البشرية، في مجال إدارة الدولة بكفاءة عالية، وفي عصر التنافس المتسارع الذي يشمل مختلف مناحي الحياة.

