التحول من قادة مقاتلين إلى عمال وطن آمنين!
خبر لافت للانتباه الذي نشره موقع كل الأردن الإلكتروني يوم الاثنين 12/ 6/ 2016، والذي ترافق مع احتفالات الأردن بمناسبات وطنية عزيزة على قلوبنا. يقول الخبر: “إن مجموعة من الضباط المتقاعدين ممن يحملون رتبة عقيد ومقدم، تقدموا لأمين أمانة عمان الكبرى عقل بلتاجي بطلب رسمي، للالتحاق بكوادر أمانة العاصمة، للحصول على وظيفة عامل وطن أو حارس أمن “.
ولمن لا يعرف ماذا تعني هذه الرتب أقول: أن من يحمل رتبة مقدم يكون قد أمضى في خدمة القوات المسلحة فترة لا تقل عن 16 عاما، تخرج خلالها من جامعة مؤتة أو من الكلية العسكرية، واشترك بالعديد من الدورات العسكرية التأهيلية في مهنته، ثم تقلد مناصب عديدة من قائد فصيل إلى قائد سرية, وأخيرا قائد كتيبة.
وفي منصب قائد الكتيبة، فإن المقدم يقود وحدة مقاتلة تعدادها يبلغ 500 جندي وضابط. فلو افترضنا أن متوسط عدد العائلة في الأردن 4 أفراد، فهذا يعني أنه مسئول عن 2000 إنسان. ومن المفترض أنه خلال خدمته قد قام بواجباته العسكرية المختلفة من تدريبية وعملياتية وأمنية وإدارية، وسهر الليالي، وتعرض للخطر والحرمان، وشكّل خلالها مشروع شهيد مستعد لتقديم روحه فداء للوطن في أية لحظة. أما من يحمل رتبة عقيد فيكون قد تجاوز في خدمته 20 عاما ومر بأدوار المقدم السابقة، وأصبح إما قائدا لمجموعة أكبر من الكتيبة، أو مديرا لأركان لواء ( مساعد قائد لواء ) والذي تتكون وحداته من ثلاثة كتائب على الأقل.
هؤلاء المتقاعدون الذين تقدموا إلى معالي أمين عمان بطلب الوظيفة ” كعمال وطن أو حراس أمنيين “، ضخّموا تلك الوظيفة وألبسوها ثوبا جميلا بقولهم : ” استكمالا لخدمة الوطن والتغلب على ثقافة العيب “، قاصدين من وراء ذلك التستر على رتبهم ومواقعهم السابقة بعبارات مؤدبة، والحفاظ على هيبة المؤسسة التي عملوا به ردحا من الزمن. ومن المؤكد أن هذه المجموعة تمثل نموذجا للمئات من أقرانهم، من نفس الرتب وربما أعلى وأدنى من ذلك.
وسواء كانت طلباتهم حقيقية أو رمزية، إلا أنها تطرح مشكلة اجتماعية بالغة الخطورة، على الأمن الاجتماعي والأمن الوطني. ومع هذا فقد لا يجد معالي أمين عمان شواغر لاستيعابهم في إسطوله الكبير، فسيعتذر لهم أو يطلب منهم الانتظار على الدور، لعل بعض الوافدين من عمال الوطن يعودون إلى بلادهم، وحينها سيجد لهم بعض المواقع.
لا أقلل من مكانة عامل الوطن، ولكن رسولنا الكريم عليه السلام قال : ” إنزلوا الناس منازلهم “. فإن كانت هذه الوظيفة خدمة وطنية حقيقية، لماذا لم نرَ أي من الوزراء والمدراء والموظفين السابقين، يقدمون عليها استكمالا لأدوارهم الماضية ؟ وفي هذا الساق أحب أن اذكّر بما كتبه السيد خالد محادين رحمه الله، في جريدة الرأي الأردنية بعددها رقم ( 3163) يوم الثلاثاء الموافق 5 / 12 / 1978 تحت عنوان ” أننا نقتل الجياد أيضا “، وأقتبس :
” الذين قرأوا القصة الأمريكية ( إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك ؟ ) أو شاهدوها في دار العرض أم عبر الشاشة الصغيرة، لابد وأدركو الأبعاد المأساوية لحياة أي إنسان يقع فريسة للحاجة، أو يعجز عن مواجهة متطلبات الحياة، في مجتمع استهلاكي لا حصر لمخالبه الحادة.
ومع امتداد الأيام الأخيرة، كانت القصة تسيطر على كل حواسي، وأحس بأقدام الراقصين تملأ من حولي كل فراغ، وقد اختلط عرقهم بألمهم، وتأوهاتهم بجراحهم. ولم تحمل القصة إليّ صورة واحدة وإنما مجموعة صور محزنة ومأساوية، بكل ما في المأساة من وجع ومعاناة. لقد حملتها إلى ذهني صور كثيرة أشير إلى واحدة منها:
ينتهي العمل المسائي في أحد المصارف العاملة في بلدنا، يأخذ الموظفون في الانصراف، وقبل أن يغادر الفراش المصرف يدخل عقيد متقاعد عبر الباب. لحظات ويحكم الفراش إغلاق الباب على العقيد المتقاعد، الذي عُين حارسا ليليا للمصرف. في الصباح يكون الفراش أول من يصل إلى المصرف، يفتح الباب، يتبادل مع الحارس التحية، ثم يغادر العقيد المتقاعد المصرف إلى بيته، لكي يأخذ حقه من النوم، بعد أن قضى الليل يسهر على حراسة المصرف.
هذه صورة من صور كثيرة لضباط تقاعدوا، وموظفين مدنيين تقاعدوا واضطروا للقبول بأي عمل، كي يواجهوا قسوة الحياة ومتطلباتها الكثيرة‘ في مجتمع حقق قفزة استهلاكية غير محسوبة دمرت الكثير، وتحمل في أعماقها نذر مستقبل أقل أخطاره، تفجر الصراع الاجتماعي على صورة لا يتمنى أحد أن تكون.
إن مأساة المتقاعدين في بلادنا، ليست في أنهم تركوا وظائفهم السابقة إلى فراغ، ولكن أيضا في أنهم لا ينالون من المجتمع تعويضا معنويا، ولا أقول الآن ماديا عن خدماتهم التي قدموها لبلدهم وشعبهم على امتداد عشرين أو ثلاثين عاما من العمل. وتأخذ هذه المأساة بعدا آخر موجعا هو في هذه القفزة الاستهلاكية التي قفزها مجتمعنا، دون أن يكون لغالبية الناس مردود ثابت، وقادر على مواجهة ضروريات العيش الكريم.
والأمر يحتاج لدراسة شاملة، وقبل أن تقوم هذه الدراسة لابد من اقتراح أقدمه لكل من يهمه الأمر. وهو ألا تتم إجراءات تعيين أي متقاعد عسكريا كان أم مدنيا، قبل موافقة الجهة الرسمية التي أحالته على التقاعد، حتى لا نحرم المتقاعدين التقدير المعنوي الذي يجب أن ينالوه مقابل خدماتهم الطويلة، وحتى لا نسمح لأحد منهم أن يسيء إلى مؤسسته التي عمل فيها بقبول أي عمل. فلا يعقل أبدا أن يعمل عقيد متقاعد حارسا ليليا في مصرف، أو قاض متقاعد مجرد كاتب في شركة، أو رئيس دائرة موظفا في مكتب سفريات.
إن المتقاعدين ليسوا حفنة ليمون لا يوجد من يحمي قشره بعد أن أخذ المجتمع كل مائه. وإذا ساد هذا المفهوم فإن خرابا شاملا في انتظارنا. وتبقى ملحوظة . . إن عجز المتقاعد عن مواجهة ضروريات العيش الكريم يقف شهادة على نزاهته، وعلى أنه لم يسرق ولم يرتشِ ولم يستغل وظيفته، ولا يجوز أن يكافأ على استقامته بأن يتحول إلى عامل أو موظف هامشي يكون موضع تندر، بدل أن يكون موضع احترام وتبجيل دائمين. وسؤال أخير: ألسنا نقتل الجياد أيضا ؟ انتهى الاقتباس. فما أشبه الليلة بالبارحة. . !
هذا المقال كُتب قبل 38 عاما، ولكنه يعبر عن الأحوال السائدة حاليا في بلدنا العزيز، مع الاختلاف بأن تطورت المخاطر لتصبح أكثر شدة من حولنا هذه الأيام. وهنا أود أن أسأل : ألا يخشى المسئولون من تأثر الرتب المختلفة من المتقاعدين العسكريين، بأوضاعهم المعيشية المتردية والوضع النفسي الذي آلو إليه ؟ أرجو الله ألا يدفع هذا الحال بعضا منهم إلى التطرف، في وقت يدسّ المسئولون به رؤوسهم في الرمال، ويتجاهلون احتياجاتهم المعيشية، مما سينعكس سلبا على أمن الوطن ؟
أنصح المعنيين بالانتباه إلى هذه الشريحة من المتقاعدين، الذين سيتحولون من قادة مقاتلين كانوا في مواقع مرموقة إلى عمال وطن – وإن كابروا بالمحسوس – سيجوبون الشوارع والأزقة لإنجاز مهامهم الجديدة إذا تمت الاستجابة لطلبهم.
إن من قدموا خدمات مخلصة للوطن من حقهم على الدولة أن تحفظ كرامتهم وتؤمن لهم دخلا يسد حاجتهم، ويغنيهم في البحث عن وظائف لا تليق بمكانتهم الاجتماعية، وتسيء إلى المؤسسة التي انتسبوا إليها.
على المعنيين الاهتمام بمعالجة هذا الوضع الشاذّ على وجه السرعة وقبل فوات الأوان. لكي لا نندم في المستقبل على أمر لم نفعله في حينه يوم لا ينفع به الندم.

