التنمية الاقتصادية بين مهاتير الماليزي ومهاتير الأردني
من يزور أو يقرأ عن ماليزيا هذه الأيام لابد وأن يتساءل : كيف أصبحت كوالالمبور من أجمل عواصم العالم وأكثرها تقدما ؟ كيف أصبحت ماليزيا في قائمة أول عشرين دولة تجارية في العالم بصادراتها ووارداتها التي تزيد عن مائة مليار دولار سنويا، ومعظمها صادرات صناعية وليست موادا خامّا ؟ كيف اجتذبت ماليزيا وهي على حافة العالم في جنوب شرق آسيا حوالي 15 مليون سائح سنويا ؟ وسأحاول في هذه العجالة تقديم إجابات موجزة لهذه التساؤلات.
فسكان ماليزيا حوالي 30 مليون نسمة، وشعبها متعدد الأعراق والثقافات والأديان، أكثر من نصفهم ملاويون مسلمون. ويتميز الشعب الماليزي بالبساطة في ملبسه ومأكله وتعاملاته وإتقانه لعمله واحترامه للقانون، بدءا باحترام إشارات المرور حتى في أطراف العاصمة وفي المناطق الريفية، وانتهاء ببقية القوانين والأنظمة. وقد تقود سيارتك في العاصمة كوالالمبور لأكثر من اسبوع ولا ترى شرطي مرور واحدا، لأن الجميع يحترم النظام ويتقيد به.
عندما حصلت ماليزيا على استقلالها في عام 1957، كان الشعب متخلفا بدرجة كبيرة في كل المجالات التعليمية، والسياسية والاقتصاد وغيرها، إذ كان يعتمد بشكل رئيسي على الزراعة وتصدير المواد الخام. وكانت كوالالمبور العاصمة حتى نهاية السبعينات مدينة متواضعة وبسيطة، ولكنها أصبحت اليوم تعج بناطحات السحاب والبنية التحتية الممتازة وكل مظاهر الحضارة الحديثة.
يعود الفضل في نهضة ماليزيا الاقتصادية إلى رجل واحد، هو رئيس وزرائها السابق الدكتور مهاتير محمد. وهو طبيب من مواليد عام 1925، تخرج من كلية الملك إدوارد السابع في سنغافورة، ثم درس الشئون الدولية بجامعة هارفرد، في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1967. عمل في بداية حياته بعيادته الخاصة في ماليزيا، وكان يقدم من خلالها العلاج مجانا للفقراء، ثم عمل ضابطا في الخدمات الطبية للجيش الماليزي. تقلد مناصب عديدة في بلاده ابتداء من نائب في البرلمان، إلى وزير ثم نائبا لرئيس الوزراء، وأخيرا رئيسا للوزراء، من عام 1981 وحتى عام 2003.
لقد آمن الدكتور مهاتير بإمكانيات الشعب الماليزي، وقدراته على اللحاق بركب التقدم. فرفع عدة شعارات منها شعار ( انظر شرقا)، أي إلى الصين واليابان ودول شرق آسيا، للاقتداء بما حققته من نهضة اقتصادية. وشعار ( ماليزيا بوليه) أي ماليزيا تستطيع أن تتقدم وتفعل ما يفعله الآخرون.
لقد استمع مهاتير محمد لتوصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، للخروج من الأزمة المالية عام 1997، ولكنه ضرب بها عرض الحائط. ثم وضع خطته الجريئة التي اشتملت على خارطة طريق لمستقبل ماليزيا، حدد بها الأولويات والأهداف والنتائج التي يجب الوصول إليها، خلال عشر سنوات ثم لعشرين سنة قادمة، مستخدما رؤيته الثاقبة وحكمته الراسخة، لتصبح ماليزيا في طليعة الدول المتقدمة بحلول عام 2020.
وعلى ضوء تلك الخريطة استطاع مهاتير أن يغيّر وجه ماليزيا المألوف وأن ينهض بها تنمويا، ويقلّص نسبة الفقر من 57 % إلى 5 %، ويخفض حجم البطالة إلى 3 %، ويرفع مستوى دخل الفرد من 1247 دولار سنويا في عام 1970 إلى 8862 دولار في عام 2002، أي سبعة أضعاف ما كانت عليه خلال عقدين. فتحققت التنمية الشاملة خلال فترة وجوده، وتحولت الأحلام إلى حقائق في عهده، فأخذت ماليزيا موقعها في طليعة دول نمور آسيا.
خلال فترة رئاسته للوزراء التي بلغت 22 عاما، استطاع مهاتير الوصول بوطنه إلى نهضة شاملة، وتخلى عن السلطة بإرادته، وأثبت للعالم بأن الإصلاح ليس ” معجزة ” إذا ما توفرت له النوايا الحقيقية والأفكار العملية القابلة للتطبيق. وأذكر أنه خلال مشاركته بالمؤتمر الاقتصادي العالمي في الأردن قبل بضع سنوات ، زار مهاتير محمد مدينة البتراء الوردية، فقال بعد الزيارة: ” لو كنت مسئولا عن هذا المعلم السياحي العظيم، لاستطعت أن أجلب للبلاد 10 مليارات دولار سنويا من عائدات السياحة “.
أما عن التنمية الاقتصادية في الأردن، فقد وجه جلالة الملك بتاريخ 29 / 3 / 2014 رسالة إلى رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الله النسور تضمنت محاور عديدة، وطالبا منه وضع خطة اقتصادية لعشر سنوات قادمة،. وتكفّل الرئيس السابق بتجهيزها قبل نهاية العام ذلك العام. علما بأنني شكّكت بذلك في حينه وكتبت مقالا بتاريخ 31 / 3 / 2014 بعنوان: ” الخطة العشرية في رسالة الملك ” جاء في إحدى فقراته ما يلي:
” نستأذن جلالة الملك . . بأننا لا نريد من هذه الحكومة وضع خطة عشرية، لأن هذا يفوق قدرتها في التنبؤ بأحوالنا المستقبلية، في بيئة غير مستقرة سياسيا واقتصاديا. وفي الوقت نفسه يصعب عليها وضع خطة اقتصادية متكاملة، لفترة متوسطة المدى كما يجري في الدول المتقدمة. بل أننا نطالب حكومتنا الجليلة أن تضع لنا خطة ثلاثية قصيرة المدى فقط، لأننا نعلم أنها ستعتمد في تصميمها على جيوب المواطنين وزيادة الضرائب عليهم. وهي إستراتيجية وحيدة تتقن الحكومة فنونها في محاولاتها لترقيع اقتصادنا المكلوم”.
وما توقعته كان صحيحا، فلم تتمكن الحكومة عمليا من وضع الخطة المطلوبة في الوقت المحدد، رغم استعانتها بشركة ” ديلويت ” الأجنبية، إذ حولت الخطة الاقتصادية إلى رؤية اقتصادية، ولم تنفذ أي جزء منها، بل أورثتها حكومة النسور إلى حكومة الملقي اللاحقة.
وفي مقال له بتاريخ 26 / 3 / 2015 يقول المحلل الاقتصادي سلامه الدرعاوي في صحيفة المقر الإلكترونية : ” لكن الأمر المؤسف أن تتنصل الحكومة من الوفاء بتعهداتها بإعداد الرؤية وليس الخطة قبل نهاية العام الماضي، وتمر الأشهر من العام الجديد ولا جديد في الرؤية “.
أما المحلل الاقتصادي فهمي الكتوت، فقد كتب بتاريخ 17 / 6 / 2015 مقالا جاء فيه ما يلي: ” من الصعب الحديث عن إنجازات اقتصادية خلال العقد الأخير، والجميع يعلم حجم الإخفاقات التي شهدتها السياسات المالية والاقتصادية، سواء ما يتعلق بتراجع معدلات النمو الاقتصادي أو تفاقم عجز الموازنة، وارتفاع عجز الميزان التجاري وارتفاع المديونية “.
من الملاحظ أن التوجيهات الملكية لإنجاز الخطط الوطنية المختلفة، تتكرر في كتب التكليف الموجهة إلى رؤساء الوزارات واحدا بعد الآخر. وتتم الاستجابة الخطابية لها فورا، باستعداد الحكومة لوضعها موضع التنفيذ. ولكن جرت العادة في أن تبدأ الحكومات مهامها وتغادر موقعها دون أن تنفذ ما وعدت به، و دون أن يحاسبها البرلمان أو غيره عما أنجزته وما فشلت في إنجازه. وهنا أود أن أقدم الاقتراحين التاليين لمن يهمه الأمر:
1. أن يجري إنشاء هيئة رقابية خاصة على مستوى الدولة تُسمّى مثلا ( هيئة تفتيش الدولة ) وترتبط بالديوان الملكي، على أن تخوّل صلاحيات كاملة بموجب تشرّيع محدد في القانون، تكون مهمتها ” رقابية عامة ” لمتابعة تنفيذ الحكومة ووزاراتها المختلفة التوجيهات الواردة بكتاب التكليف السامي، وتقديم تقارير دورية خلال العام إلى جلالة الملك مباشرة، ليجري على ضوئها تقييم أداء الحكومة، ومعرفة مدى نجاحها أو فشلها مرحليا في المهام التي كّلفت بها. ولعلنا نستطيع القول باللغة الماليزية: ” أردن بوليه”.
2. تأجير مدينة البتراء السياحية بما فيها الاكتشافات الأثرية الأخيرة، إلى الدكتور الماليزي مهاتير، لعلّه يسوّقها عالميا ويعود بمردود نافع على الاقتصاد الأردني، بعد أن فشلت جميع حكوماتنا السابقة في هذا المجال.
ويلخص مهاتير محمد تجربته الاقتصادية في بلاده بالعبارات التالية : “إن وصفة التقدم هي أن يخلّص الإنسان نفسه من ثقل الكرة الحديدية داخل عقله. بإيماننا أننا نستطيع أن نفعل ما يفعله الآخرون نكون قد فزنا بنصف المعركة. لقد وهبنا الله – نحن البشر – قدرة على التعلّم والتفوق في أي شيء إذا كنا على استعداد للمحاولة مرة بعد الأخرى حتى ننجح. هذه هي المعادلة الماليزية، الوصفة الماليزية للتنمية “.
أرجو الله مخلصا أن يتمكن رئيس الوزراء الجديد الدكتور مهاتير الملقي وفريقه الاقتصادي، من النهوض بالتركة الثقيلة التي ورثوها من الرئيس السابق الدكتور مهاتير النسور، والنجاح بالمهمة العسيرة التي أشار إليها كتاب التكليف السامي. فهل سيتحقق الحلم الذي نتمناه ؟ أم سُيورّثه مهاتير الثاني إلى مهاتير الثالث بعد سنوات ؟

