دولة الرئيس الملقي.. حكومتكم أمام الاختبار!
مع مطلع شهر حزيران الذي لنا معه ذكريات تدمي القلوب قبل 49 عاما، أقلعت سفينة دولة الرئيس المكلف هاني الملقي من شاطئ العقبة، لتلقي مراسيها في الدوار الرابع لعاصمتنا الأردنية عمان، وهي تحمل على متنها 28 راكبا إضافة لقبطانها، وكل منهم يحمل على كتفه حقيبة مليئة بالملفات الشائكة.
ورغم كل الأحاديث والتحليلات والتوقعات السابقة ، إلا أننا أصبحنا الآن أمام أمر واقع، يفرض علينا أن نتعامل معه على طبيعته. فمن الحقائق التي لا يمكن تجاوزها، هي الاعتراف بأن دولة الرئيس المكلف، تقلّب على العديد من المناصب الحكومية، منها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والعلمية. فاكتسب خبرات متنوعة خاصة وأنه عمل إلى جانب ولي العهد آنذاك سمو الأمير الحسن، وساهم في وضع العديد من الخطط التنموية والاقتصادية والعلمية، في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
من المعروف عن دولته أن يتصف بالذكاء، والعمل المؤسسي الجاد، وعدم الانحياز، إضافة لقدرته على المتابعة وتقييم الإنجاز. ولا أعرف في هذه الآونة هل هو حسن حظه أو خلافه، الذي أوقعة تحت الاختيار، ليقود سفينة الوطن بتوجيهات ملكية، بعد أن ارتطمت تلك السفينة بالعديد من الصخور البحرية، بقيادة قبطانها السابق دولة الدكتور عبد الله النسور. فواجهت عقبات كثيرة في مسيرتها الهادفة للوصول إلى شاطئ الرخاء والازدهار.
من أهم تلك العقبات التي ورثتها الحكومة الجديدة هي التالي : 1. المديونية الفلكية التي وصلت إلى ما يقارب 35 مليار دولار، دون توفر روافد مالية محلية تخفيف من وطأتها. 2. التزام الحكومة بالتوقيع على اتفاقية صندوق النقد الدولي، التي أهدتها إليها حكومة النسور الراحلة، وما احتوته من 38 شرطا قاسيا يحيط بعنق الدولة. كل هذا من أجل الحصول على قرض جديد بقيمة ملياري دولار يرفع المديونية، ولن يستخدم لدفع فوائد الدين أو إنشاء مشاريع استثمارية جديدة. 3. وقف المنحة الخليجية – لهذا العام على الأقل – إضافة لوقف العديد من المنح والمساعدات الدولية والتي كانت ترفد الخزينة.
4. الوضع الاقتصادي العليل وهجرة العديد من الشركات إلى خارج الأردن، ومحدودية المشاريع التي تدعم خزينة الدولة بالمال. 5. تدهور الوضع الزراعي وتراكم الديون على المزارعين وعدم إيجاد أسواق خارجية لتصدير المنتجات الزراعية وتحسين أوضاع المزارعين. 6. الفقر والبطالة الآخذين بالتوسع يوما بعد يوم . 7. التزايد المستمر بأعداد اللاجئين السوريين، وعد كفاية المساعدات الدولية المقدمة أليهم، عدا عن الضغوط الدولية على
الأردن لتأمين الخدمات لهم، وتشغيل الأيدي العاملة منهم على حساب العمالة الأردنية 8. والمهمة المستعجلة حاليا هي إجراء الانتخابات النيابية التي تقف على الأبواب مع متطلباتها المختلفة.
لا أعرف من أي باب ستدخل الحكومة الجديدة حاملة عصاها السحرية، لحل هذه الأزمات المعقدة وإيجاد الحلول المناسبة لها. إن هذا يتطلب بلا شك وجود طاقم وزاري مبادر لدية تجربة واسعة، ليجترح الحلول العملية ويصنع المعجزات، دون الاعتماد على جيب المواطن ورفع الدعم عن حاجياته الأساسية، كما هو أسلوب الحكومة السابقة. ورغم أن العديد من رجالات حكومة النسور السابقة، قد أعيد توظيفهم في الحكومة الجديدة إضافة إلى الوزراء الجدد، فلابد من طرح السؤال التالي على دولة الرئيس الملقي : هل هذا الفريق الوزاري الذي قمت باختياره منسجم مع نفسه، وقادر على تلبية ما ورد في كتاب التكلف الملكي، وتلبية مطالب الشعب المنطقية في السنوات القادمة، بعد كل ما ورثتموه من ( بلاوي ) أهداها لكم الرئيس السابق ؟ ؟ ؟
أما في سياق اختيار الوزراء، فأرغب أن أذكركم بما كتبه المارشال البريطاني مونتجمري، بعد الحرب العالمية الثانية، في اختيار رجال الدولة من قبل السياسيين، وأقتبس : ” في الحقيقة أن الأساليب التي اتبعها رجال الدولة البريطانيون بين الحربين العالميتين، كانت تبعث على الدهشة. لقد كنت أعتقد دائما بأن على الزعيم السياسي أن يكون خبيرا بالرجال، وأن عليه أن يختار للمناصب الهامة أقد الرجال على الاضطلاع بالمهمات الموكولة إليهم. وأن رأيه يجب أن يستند منذ زمن السلم، على أخلاق الرجل المختار وطاقته واندفاعه، بغض النظر عن أي اعتبار آخر. ولكن في الفترة الواقعة بين الحربين كان الاختيار الذي انتهى إليه السياسيون، اختيارا خاطئا على الدوام، إذ أن المعيار الذي كانوا يعتمدونه – إن كانوا قد اعتمدوا أي معيار – لم يكن ينطبق على ما تتطلبه الضرورات “. انتهى الاقتباس.
وحيث أننا ما زلنا نعيش زمن حرب الجباية والضرائب النسوريه، والتي امتدت لما يقارب ثلاثة أعوام ونصف، يدفعنا الفضول للاستئذان بتوجيه السؤال التالي إلى دولة الرئيس الجديد : هل راعيتم دولتكم في اختيار طاقمكم الوزاري ما يتوافق مع المواصفات التي وردت في فلسفة مونتجمري المبينة بأعلاه ؟ لا أريد منكم جوابا دولة الرئيس، ولكن فقط لمحاسبة النفس والتأكد مما أقدمتم عليه.
وبالرغم من معاناتنا مع مختلف رؤساء الوزارات خلال العقدين الأخيرين، إلاّ أن الأمر يفرض علينا أن نتفاءل خيرا بدولة الرئيس الملقي – من منطلق تفاءلوا بالخير تجدوه – لاسيما وأنه من خارج العلبة السابقة، التي اعتدنا عليها في تناوب كرسي الرئاسة مرارا وتكرارا، دون أن نحصد ثمارا نافعة.
وختاما فإننا نتمنى للرئيس الجديد وحكومته كل التوفيق في مهماتها الثقيلة لخدمة الوطن والمواطن، علما بأننا سنضعهم أمام الاختبار والتقييم خلال الأشهر الستة القادمة. فإن نجحوا مبدئيا قدرنا وشكرنا، وأن فشلوا – لا سمح الله – غضبنا واقتنعنا بأن الإصلاح في الأردن يواجه طريقا مسدودا. ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ). صدق الله العظيم.

