هل يكرر التاريخ نفسه من جديد ؟
هذا السؤال يتردد في ذهني بما يخص الأردن هذه الأيام، بمناسبة الذكرى المئوية للثورة العربية الكبرى. وعند البحث وجدت الإجابة لدى فيلسوف علم الاجتماع الألماني كارل ماركس – ولو أنني لست من أتباعه – إذ يقول: ” إن التاريخ لا يكرر نفسه، وإذا فعل فهو في المرة الأولى صانع دراما كبيرة، وفي المرة الثانية صانع مهزلة “.
فعند التمعن في تاريخ الدولة الأردنية ومسيرتها خلال عهدين، عهد الإمارة في النصف الأول من القرن الماضي، وعهد الملكية في العقدين الأولين من القرن الحالي، نجد أن مقولة الفيلسوف تنطبق عليهما بصورة أو بأخرى، في مجالات عديدة، من أهمها شئون الحكم.
فنلاحظ أنه قد تولى الحكم فيها عدد من الشخصيات، التي لعبت دورا تخريبيا على مختلف الصُعد، السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد تزامن هذا الوضع في الحالين، مع البذخ والإسراف في الإنفاق من أموال الخزينة – على قلتها – وجرى فرض الضرائب الباهظة على المواطنين، لتغطية جانبا من العجز.
ومما يلفت الانتباه أن أولئك الأشخاص الغرباء عن الأردن، اكتسبوا الجنسية في غفلة من الزمن، وأصبحوا نجوما لامعة تستقطب الكثير من المواطنين الذين يحسبون لها حسابا كبيرا، نظرا لدخولها في حلقة النظام والتصاقها بصانع القرار، وتولت المناصب الحساسة في الدولة.
ففي عهد الإمارة برز شخصان لعبا أدوارا سيئة في المجتمع وفي بنية الدولة الأردنية، هما محمد العسبلي ومحمد الأنسي. فالأول قدم من الحجاز مع حاشية الأمير عبد الله وحظي بعنايته الخاصة، حيث عينه حاجبا شخصيا له ،يفتح أبواب الديوان أو يغلقها بوجوه المواطنين حسب المزاج. وكان يحظى بالهدايا والأموال من الأمير، حيث أقام بناء بجانب المدرج الروماني أُطلق عليه اسم ” قصر العسبلي “.
أما محمد الأنسي فهو من أصل لبناني، منح الجنسية الأردنية ثم تولى العديد من المناصب في الدولة منها: وزارة الداخلية، وزارة المعارف، وزارة العدلية. ومن صفاته أنه لا يؤتمن على وطن أو مال، وكان يعامل المواطنين بفوقية وعدم احترام. فكثرت الشكاوي عليه للأمير ولكن دون جدوى. وعندما عرف الأردنيون علاقته المميزة مع الوكالة اليهودية، واكتشفوا بأنه يقوم بشراء الأراضي في فلسطين وحتى في شرق الأردن، وتقديمه الكثير من المعلومات والتسهيلات لتلك الوكالة، فهموا سبب عنجهيته.
وفي المفاوضات بين الأمير عبد الله وتشرشل وزير المستعمرات البريطاني التي عقدت في القدس، كان محمد الأنسي وعوني عبد الهادي عضوين في الوفد الهاشمي المفاوض عن شرق الأردن، ولم يكن أي من الزعماء الأردنيين مشاركا في ذلك الوفد الذي سيبحث مصير البلاد. فاعتبروا أن ذلك تم بتحريض من الأنسي للأمير بتغييبهم عن تلك المفاوضات الهامة، الأمر الذي زاد من حنقهم على الأنسي.
ومن جانب آخر، فقد حرص الأنسي خلال إشغاله الوظائف العليا في الدولة، على توظيف الأردنيين فقط في الجيش وفي الوظائف الخدمية وإبعادهم عن الوظائف السيادية. وكانت الصدمة الكبرى للمواطنين عندما جرى تعيين الأنسي رئيسا للديوان الأميري. فقامت المظاهرات في البلاد، كان أكبرها أمام الجامع الحسيني بوسط عمان، احتجاجا على هذا التعيين، باعتباره تحديا لتطلعاتهم ومشاعرهم، ولكنها أخمدت بالقوة.
وإذا ما قارنا ذلك الوضع الذي كان قائما في عهد الإمارة، بما حدث ويحدث في بداية هذا القرن، نجد أن هناك تطابقا كبيرا بين الحالتين. فقد وجدنا أناسا حصلوا على جنسيات أردنية منذ عهد قريب، ثم تولوا مناصب عليا في الدولة، حُرمت على الكثيرين من أبناء الأردنيين الأصلاء.
لقد جاء أولئك الغرباء بأفكار مستوردة طبقوها في إدارة الدولة، على نظرية إدارة الشركات وليس على نظرية الإدارة الحكومية، فباعوا أصول الدولة ومواقعها الهامة وشركاتها وشواطئها، وتخلصوا من كل ما يرفد خزينة الدولة بالمال، ورفعوا لضرائب على المواطنين، واقترحوا برنامج التحول الاقتصادي ثم حرقوا وثائقه بعد فشله. وكانت النتيجة هي ما نحصده الآن من ثمارها المتمثل بالمديونية ، التي تجاوزت 90 % من الناتج المحلي، واللجوء إلى جيب المواطن لرفد الخزينة كلما ضاقت الأمور المالية على الدولة.
وفي هذا السياق فإنني لا أبرئ المسئولين الأردنيين الآخرين من رؤساء الحكومات والوزراء والمدراء، الذين كانوا يشاهدون هذا العبث بمقدرات الدولة ولم يحركوا ساكنا لوقفه. كما لم تجر محاسبتهم حتى الآن على ما اقترفوه بحق الوطن، من تخاذل وسلبية مخزية.
وإمعانا في هذا النهج، ها نحن الآن أمام مسلسل جديد يسمح لمزدوجي الجنسية بتولي المواقع السيادية في الدولة، ضاربين بعرض الحائط أي محذور يخرق الأمن الوطني ويهدد مصالح الدولة. فهل يعقل أن من يحظى بحماية أجنبية، وأقسم يمين الولاء والإخلاص لها أن يؤتمن على أسرار الوطن، والتي لا يسمح حتى للمواطن العادي من الاطلاع عليها ؟ وهل يمكن تقسيم هذا الولاء بين دولتين دون ترجيح إحداهما على الأخرى ؟ لقد رأينا كيف أن بعض الدول الأجنبية رفضت استقبال أردنيين يحملون جنسيتها كسفراء لديها احتراما لقوانينها، بينما نحن نتحدى دستورنا وقوانيننا بإرادتنا ؟
نحن لسنا بحاجة إلى علماء لتسيير مراكب الفضاء أو صنع الغواصات أو تحطيم الذرة النووية لاستخراج الطاقة، بل نحن بحاجة إلى متعلمين وفنيين أكفاء حريصون على إدارة الدولة بضمير نقي ويتقون الله بالوطن والمواطنين. وما أكثرهم في هذا البلد إذا قصدنا اكتشافهم واستخدامهم في المواقع المناسبة لتخصصاتهم. وإذا كنا بحاجة إلى خبرات إضافية فيمكن التعاقد مع من نحتاجهم كمستشارين لفترة محددة.
وبناء على أقدمت عليه حكومتنا الرشيدة مؤخرا من قرارات خطيرة، ها هم مزدوجي الجنسية، وخاصة من يظهرون منهم في وفد اجتماعات القمة، ينتظرون الضوء الأخضر، كي ينقضوا على أهدافهم، ويتولون الوظائف السيادية في الدولة، وهم من يعدوننا بجلب الاستثمارات والمليارات للأردن، كما وعدونا سابقا بتحويل الرمال ذهبا، فحولوها قيودا على أعناقنا لدى صندوق النقد الدولي. وبهذا الفصل الأخير تتحقق مقولة الفيلسوف الألماني بأن التاريخ ” يكرر نفسه مرة ثانية كمهزلة ” تبعث على الحزن والأسى في الأردن العزيز . . !

