من صور البطولة على ساحة الأرض المقدسة
إلى أبناء الجيل الجديد، الذين لم يشهدوا أو يقرأوا عن دور الجيش العربي الأردني في الدفاع عن الأرض المقدسة، ولمن يشككون بالأدوار المشرّفة، التي قام به هذا الجيش للحفاظ على ثرى فلسطين، ذلك الثرى الذي أضحى رخيصا، ومسرحا لإقامة المستوطنات اليهودية، في عهد القيادات السياسية المتواطئة مع العدو، سأعرض في هذه العجالة، صورتان فقط من صور البطولة، التي سجلها جيشنا العربي بالدماء والأرواح، في حرب عام فلسطين 1948.
ففي 23 أيار أسند للكتيبتين الثانية والرابعة من لواء المشاة الأول، مهمة الدفاع وصد الهجمات اليهودية، عن منطقتي اللطرون وباب الواد في قطاع القدس. في هذا الموقف كانت الكتيبة الثانية تحت قيادة المقدم الإنجليزي سليد، والكتيبة الرابعة تحت قيادة المقدم حابس المجالي.
شن اليهود هجوما يوم 24 أيار بلواء يضم حوالي 3000 مقاتل، ممن وصلوا حديثا من معسكرات أوروبا وقبرص، تساندهم المصفحات والمدفعية، بقصد فتح الطريق أمام باقي قواتهم إلى مدينة القدس. تقدم العدو بعد شروق الشمس نحو قاطع الكتيبة الرابعة في اللطرون، فاستقبلهم رجال الكتيبة بنيران كثيفة من أسلحتهم المختلفة، فردتهم على أعقابهم وكبدتهم خسائر فادحة.
وفي الساعة الثانية والنصف من صباح الليلة التالية، كرر اللواء اليهودي هجومه الموسع، على مراكز الكتيبة الرابعة في نفس المنطقة، بعد أن جرى التمهيد له بقصف مكثف من المدفعية لمدة ساعة كاملة. فزحفت بعض قواته باتجاه بئر الحلو، بينما احتشدت مجموعات أخرى خلف الجبال الواقعة جنوب اللطرون.
احتدمت المعركة بين الطرفين في منطقة مكشوفة وفي وضح النهار، واستمر القتال خلالها لمدة 13 ساعة متواصلة، أبلى بها جنود الكتيبة الرابعة بلاء عظيما اجبر المهاجمين على الفرار، تاركين خلفهم 800 قتيل وعدد كبير من الجرحى والأسرى كان من بينهم شارون، كما تم الاستيلاء على كمية كبيرة من الأسلحة والمعدات.
بتاريخ 28 أيار زار الملك عبد الله الأول طيب الله ثراه، ميدان المعركة في اللطرون وباب الواد لتفقد آثار المعركة. فأعجب بما حققته الوحدات المقاتلة وأطلق على الكتيبة الرابعة اسم ( الكتيبة الرابحة ). ثم أثنى على الضباط والجنود الذين أبدوا شجاعة نادرة في قتال العدو، وحثهم على المزيد من الصمود والصبر في المعارك القادمة.
* * *
وفي حادثة أخرى، كان العدو الإسرائيلي يحتل جبل الرادار في منطقة القدس وله قوة أخرى في مستعمرة الخمسة الواقعة على جبل آخر خلف الرادار بأربع كيلومترات. وقد قام العدو بتحصين الرادار جيدا، قبل وصول قوات الجيش العربي إليه. وهذا الجبل له أهمية خاصة لكونه يسيطر على الطريق التي تصل باب الواد بالقدس، ويمكّن اليهود من تهديد مؤخرة الجيش العربي في باب الواد، ويهدد الطريق إلى رام الله، أو يسهل مهاجمة تلك المدينة بصورة مباشرة. ولهذا قررت قيادة الجيش احتلال هذا المركز الخطير، إضافة إلى مستعمرة الخمسة.
صدر الأمر إلى كتيبة المشاة الأولى باحتلال جبل الرادار ومستعمرة الخمسة. وبعد الاستطلاع تقرر أن يتم احتلال جبل الرادار كمرحلة أولى، تليها مستعمرة الخمسة في المرحلة الثانية. في عصر يوم 24 أيار جمع قائد الكتيبة الأولى قادة السرايا، وأبلغهم بصدور الأمر إليه لمهاجمة جبل الرادار. تطوع الملازم سلامة عتيّق قائد السرية الرابعة بالطلب من قائد الكتيبة، أن يهديه هذا الواجب المقدّس فكان له ذلك.
في الساعة الثالثة والنصف من صباح يوم 26 أيار تقدمت السرية إلى هدفها من الجهة الشمالية، تساندها سرية مدفعية ميدان و 6 مدافع هاون و 6 رشاشات متوسطة. ورغم المقاومة الشديدة استطاعت هذه القوة، أن تحتل هدفها بعد معركة عنيفة استمرت لمدة ساعة، حيث انسحب العدو بعدها عبر الوادي المؤدي إلى قرية القسطل، مخلفا على أرض المعركة 13 قتيلا وعددا من الجرحى.
أما خسائر القوة المهاجمة فكانت 5 شهداء و 15 جريحا، كانت معظم إصاباتهم نتيجة الاشتباك بالسلاح الأبيض داخل تحصينات العدو. كان من بين الجرحى قائد السرية والذي كُسرت ساقه بشظية قنبلة، ولكنه رفض إخلاءه إلى الإسعاف قبل انتهاء المعركة، وراح يزحف على يديه ورِجل واحدة، بتصميم وإيمان بالله والواجب، إلى أن تم احتلال الهدف وأطلق شارة النجاح بنفسه.
قام اليهود بهجوم معاكس في يوم 29 أيار لاسترجاع جبل الرادار، فصدتهم قوات الجيش العربي المتمركزة هناك وكبدتهم 18 قتيلا. وفي 1 حزيران حشد اليهود قوة كبيرة، وأعادوا الكرة بالهجوم على الموقع من أربع جهات بقصد استرداده. ولكن السرية القائمة بحمايته صدت الهجوم، رغم تفوق القوات المهاجمة وأوقعت بهم هزيمة مريرة، كانت نتيجتها مقتل 50 يهوديا.
إن هذه العمليات القتالية المجيدة، ما هي إلاّ صور ناصعة تعبر عن حب الوطن والتضحية من أجله، بعيدا عن الجبن والانهزامية والتفريط بمصيره. وهي تشكل نموذجا لما قدمه الجيش العربي الأردني دفاعا عن الأرض المقدسة. وإن كانت هناك أخطاء في إدارة الحرب بشكل عام، فإن السياسيين هم من يتحملون وزرها، وليس العسكريون الذين نفذوا الأوامر وواجهوا الرصاص والقنابل. فرحم الله الشهداء والمتوفين، والشكر للأحياء ممن ساهموا في الدفاع عن كل بقعة في الوطن العربي الكبير.

