ذكرى سقوط بغداد
كيف هو حال جلجامش اليوم؟.. كيف هو حال العراق بعد ثلاثة عشر عاماً من الخراب؟! كيف هو العراق الذي كان قصيدة ورحلة، وتاريخ عريق، بعد سقوط عاصمته في 9 أبريل 2003؟ ماذا حققت الولايات المتحدة، التي لم يبغضها كثيرون، مثلما بغضوها بعد احتلالها العراق. أميركا العظيمة، كيف تقتص من كوبا تلك الجزيرة الصغيرة والجميلة؟ أي عدالة هذه وأي توحش؟! لماذا خافت الولايات المتحدة أكبر قوى في العالم من بلد كالعراق؟ لماذا لا يمكن إلا أن نقرأ بنود المؤامرة وسهو التاريخ حين تظن أن النسيان سينقذنا من أحوال وأهوال آلت إليه دولة كالعراق؟
بعد ثلاثة عشر عاماً لا نحصد إلا الخراب والموت والقهر، ومزيداً من الغضب الذي أفرز «داعش» وغيرها من التوحش المرضي المهجوس بداء الظالم ذاته.
فليس من الإنصاف أن تمر الذكرى المعتمة المشؤومة دون أن نكيل اللوم لنا نحن الذين أغمضنا عقولنا قبل عيوننا عما يمكن أن يحدث بعد أن تسقط عاصمة الخلافة.. وقلب الأمة وصميم كرامتها. نحن اليوم بالتتابع ندفع الضريبة، ونبكي العراق، ونبكي بيروت ودمشق وصنعاء. حواضر الأمة تتساقط والعدو واحد، ويبدو أن التاريخ مريض بحمى التمدد وجنون البحر إلى الخليج!
ثلاثة عشر عاماً، كل ما يمكننا أن نفعله هو فقط أن نتصدق بدعائنا، وبقليل من الغفلة وجريان الدموع. غاب «جلجامش»، الذي رأى كل شي، وحذّر مما سيكون، وغابت معه قصائد شعر لا يمكن أن تُكتب إلا للعراق.
فجلجامش قال: إن العدو الذي يأتي من بعيد سيهلك الحرث والنسل. قال إن الغاصب محتل، لا يرى إلا أحقاده على وطن جميل كالعراق. كان عدو جلجامش منذ آلاف السنوات هو ذاته الذي باغتنا منذ ثلاثة عشر عاماً، وأعلن أن العراق خالية من الأسلحة النووية، وماذا لو كانت ممتلئة بهذا السلاح؟ هل كان الخراب سيختلف عما رأيناه؟ الغريب هو تسارع الأكاذيب، وما تلاها من تداعيات تنضح بكراهية العراق.
من يكره العراق ويقتل أطفالها، ويجوع صغارها اليوم هم ذاتهم من يكرهوننا ويكرهون قلوبنا وألسنتنا العربية. ذبح العراق اليوم هو سن سكاكين غدا لنا، فنحن العرب القاطنون الضفة الأخرى التي تثير الكثير من كراهية أعداء جلجامش.
لماذا لم تحتل أميركا كوريا الشمالية لتؤدبها رغم أنها مارقة ضمن تصنيف الدول العظمى! أو فنزويلا التي نافحت عن شرف ثروتها وتصدت بجبروتها!
لماذا العراق التي دفعت ثمن جريمة لم ترتكبها! لأنها صاحبة الجغرافيا والتاريخ التي كانت سببا بالأمس، واليوم في زهو الأمة ونكستها. الأمة التي تسبب الألم لكثيرين لا يرون أحقيتها في الحياة.
لا يمكن حين تأتي ذكرى الغزو المشؤوم إلا أن تتأثر المشاعر، عبر دموع ملتهبة كالحريق. يغيب في هذه الذكرى المنطق والتحليل.. والقدرة على القراءة المتأنية. يبقى فقط القهر، والأسى، والشوق لبغداد، وللعراق العربي الذي كان والذي سيعود!

