مهاجرون وأنظمة وفقدان الامل
لا يجوز أن تؤخذ مشاهد إنقاذ اللاجئين في البر والبحر بأنها مشاهد عادية وبأنها ليست لها دلالات في تفكير البسطاء او السياسيين او المفكرين مهما اختلفت مشاربهم واختصاصاتهم.
السؤال البسيط الذي يجب البدء به في العقلية التحليلية الانتقادية للوصول إلى أن لهذه المشاهد أسبابا تتجاوز ما نشاهده، هو: لماذا يتكبد الناس والآباء والامهات المتاعب بالرحيل عن أقطارهم؟؟ ولماذا يطمعون لأن ينالوا جنسيات الدول الاوروبية التي حلموا بالهجرة لها وليتحولوا بعدها لمواطنين يبدأون حياتهم فيها!!!
قد يجيب البعض بأن السبب هو حالة الحرب الموجودة في أقطارهم، ويكتفون بهذا الجواب. وصحيح أن للحرب مصاعبها التي يهرب منها الناس، ولكن بعض المهاجرين يأتون من مناطق لا حروب فيها، وهناك هجرة من افغانستان وايران وشمال العراق وبعضهم يسعى لتزوير وثائقهم ليتسنى لهم الحصول على شفقة الاوروبيين وعطفهم ليعيش معهم وبينهم وليتمتع لاحقا بمزايا المواطنة له ولعائلته، وهؤلاء يعرفون ما يتطلعون له وما فقدوه في أقطارهم في هذا الجانب.
يعرف المحللون السياسيون أن معظم الأقطار العربية قد نجح فيها برنامج حماية النظام (أي إستقرار النظام وسلطته وقدرته على التحكم في بقية الشعب) ولم تنجح أغلبها في إنشاء دول قوية مثل الدول الآسيوية لتكون قادرة على الصمود والعيش عن طريق ممارسة الديموقراطية وترسيخ دولة القانون والمؤسسات، وبالتالي فإن هذه الدول الآسيوية قد نجحت في الابتعاد عن الفردية في الحكم، ونجحت في طرح مشاريع النهوض والتخطيط للمستقبل عبر التنمية الإنسانية والإقتصادية وغيرها، وما نتحدث عنه هنا هو ما قام به الماليزيون والسنغافوريون والكوريين ولم تقم به الاقطار العربية.
ويعرف المحللون مدى التأثير السيء لأنظمة الحكم الفردية التي يُرهب مسؤولوها بقية الشعب أو يخططون له ببقائهم وبمعزل عن مشاركة المواطنين، ويتلخص التأثير السلبي لذلك في قناعة ابناء المجتمعات التي تعيش تحت ظل هذه الانظمة إلى أنهم يعيشون على مزاج الحكام، وليس على أساس الخطط المستقبلية ومشاريع النهضة فيها، وبالتالي فإن حياتهم ومواطنتهم سيتحكم فيها أفراد ونظام، ولن تحميهم الديموقراطية لأنها غير موجودة، ولن يحميهم حقهم في المواطنة ولا في سيادة القانون لأنها خاضعة لمزاجية الحاكم ونظامه.
إن عدم الوصول إلى هذه الأجواء التي يتطلع اليها الناس وعدم الوصول إلى صيغة الدولة في مجتمعاتنا العربية يعني ببساطة بأن هناك املا للسادة والمنافقين في العيش ببحبوحة نظرا لتحكمهم في الاوضاع وفي حياة الناس، ولكن لا أمل لشعوبهم في وضع افضل في المستقبل، وعدم الوصول إلى صيغة بناء الدولة وإلى الوضع الأفضل سيجبر معظم من لديه كرامة أويحركه الامل في أن يترك مكان تواجده ولأن يسعى للهجرة نظامياَ أو المعاناة برا وبحرا، وبالتالي لأن يتحمل أقصى المخاطر لأن لديه أملا يطمح إليه في الدول الاوروبية، وفي أن يكون مواطنا محترما ينال حقوق المواطنة، وحقوق الإستمتاع بالديموقراطية، والحصول على حماية وسيادة القانون،، وفوق هذه كلها أن تبقى لديه جذوة الأمل مشتعلة بمصيره ومصير أبنائه وعائلته في الحياة في دول قابلة للإستمرار. نعم في دول قابلة للإستمرار.
سيختلف البعض معي فيما أقوله عن وضع معظم الأنظمة العربية، وسيقولون بأن ما اقوله قد لا يشمل جميع الأقطار العربية، وبالتالي فقد يستثنون أقطارهم او انظمة معينة مما اقوله وأعنيه، وأنا ارى بان هناك مجتمعات تستطيع ان تتحول من مشروع سيطرة النظام واستمراره، لتكون الدولة الحديثة في مجتمعهم هي الهدف، وبالتالي فإن هناك أملا سيبقى لشعوبها وأفرادها، وانا اتمنى أن يحدث ذلك في كل قطر حتى لا تكون الهجرات ولا الحروب ولا الدمار، وأن لا تتأخر هذه الانظمة في التحول لدول ناجحة يسود فيها العدل وتسود المساواة والقانون والديموقراطية، ولتأخذ برامج التنمية المجتمعية والبشرية دورها ومداها فتعتمد، لأن هذه هي الوسائل مجتمعة هي التي تبقي الامل في المستقبل، وتعني حتما المشاركة المجتمعية والتوصل غلى حماية قدرة كل قطر في العيش والحياة والاستمرار.
والله الموفق

