مفاصل في تاريخ الإسلام
المفصل الأول في ليلة المؤامرة الكبرى التي نجا منها رسول الرحمة محمد، صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ عليهم من سورة يس، والمفصل الثاني كان معركة بدر، والثالث وهو الأكثر حسماً في معركة الخندق، والمفصل الرابع كان في معركة حنين يوم كان الجيش الصغير يواجه جموعاً قبلية غفيرة فهزم، وكاد يتغير ميزان القوة في الجزيرة العربية. أما المفصل الخامس فكان في حركة الردة بعد موت المصطفى، صلى الله عليه وسلم، حيث شهدت مناطق من الجزيرة العربية باستثناء ثلاث حواضر (المدينة ومكة والطائف) حركة ردة، وخرج مسيلمة الكذاب بجيش لجب و«قرآن» مزيف، فأسقط الصلوات عن أتباعه، وقال إذا كان محمد يقول بسورة النمل والنحل، فأنا عندي سورة الضفدع: «يا ضفدع بنت ضفدعين. نقي ما تنقين. نصفك في الماء ونصفك في الطين. لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين»! إلى غير ذلك من تخاريفه.
وفي حروب الردة استشهد صحابة وحفاظ قرآن كثر، ويقال إن 800 من حملة القرآن الكريم قتلوا في معركة الحديقة (معركة اليمامة)، حيث حوصر الملعون مسيلمة الكذاب وقتل، مما دفع عمر إلى تنبيه أبي بكر الصديق إلى ضرورة الإسراع بحملة جمع القرآن الكريم، حتى لا يضيع مع فقدان الحفاظ.
محاولات عدة لاستهداف النبي، صلى الله عليه وسلم وكسر شوكة الإسلام؛ معركة بدر للقضاء على التجمع الأول من الذين نصروا النبي من الأوس والخزرج. ثم معركة الخندق حيث تجمع بعض قبائل العرب في أعظم تجمع لم يحصل قبله ولا بعده مثله. وقد نعتبر أيضاً معركة حنين امتداداً لفكرة محاولة هزيمة القوة المسلمة، ثم التهديد الأعظم بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، حيث خرج الكذابون وشكل تهديد الردة تحدياً في وجه الإسلام. وبعد القضاء على حركات الردة انساح الإسلام في الأرض وما زال ينتشر، ولن توقف امتداد هذا الدين الحنيف، بصفة سلمية، أية قوة، وسيدخل كل بيت وبر ومدر وسيبلغ ما بلغ الليل والنهار.
إن أهمية التاريخ الهجري تأتي من ثلاثة أمور: الأول أنه مفصل بين عهدين، والأمر الثاني هو مبدأ الهجرة النبوية، وقد استفتح الرعيل الأول من الصحابة الأجلاء حين أوصاهم نبي الرحمة بأنهم قد يرجعون وقد لا يرجعون، وقد لا يرونه مجدداً، فهو في حماية بني هاشم، ولكن إلى متى؟ والأذى يرمى عليه وهو يصلي في الكعبة، ولا أحد يستجيب للدعوة في بيئة مكة الصخرية وعنجهية قادتها يومذاك، أئمة الضلال والقسوة.
والأمر الثالث في الهجرة النبوية هو أهمية المدينة المنورة والتجمع الإنساني فيها من بلال وهو أسود حبشي، وسلمان أبيض فارسي، وسمية أمَة، وكلهم اجتمعوا في الإسلام. وحين دخل نبي الرحمة، صلى الله عليه وسلم، مكة فاتحاً وبدأ في تألُّف قلوب بعض زعماء قريش بالدينار والنعجة والشاة، بدأت الإشاعات تروج بين بعض القوم أن محمداً، صلى الله عليه وسلم، رجع إلى قومه أخيراً بعد أن اجتمع بهم!
دعا نبي الرحمة بسرعة إلى لقاء عام، فحضر الصحابة من الأنصار، فتوجه إليهم وقال: ما قالةٌ بلغتني عنكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم. فتابع: ألأني تألّفت قلوب القوم بالدرهم والدينار والناقة والعنزة وتركتكم لإيمانكم؟ ألا يسركم أن يرجع القوم بالناقة والشاة وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فتأثر القوم جداً. وتابع، صلى الله عليه وسلم: لو لم أولد في مكة لكنت رجلاً من الأنصار (انتبه هنا، لم يعد الكلام عن أوس وخزرج بل أخذوا اسمهم من الإسلام). وقال النبي: والله لو سلك الناس شِعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شِعب الأنصار. وقد بدأ القوم في البكاء. ودعا لهم، صلى الله عليه وسلم: اللهم ارحم الأنصار.. اللهم ارحم أبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.. وقد بكى القوم حتى اخضلت لحاهم بالدموع.

