المعمّرة الأردنية ’فضيّة الصمادي’
ودعت الحياة الدنيا قبل أيام الحاجة «فضيّة الصمادي» في بلدة النعيمة شمال الأردن عن عمر ناهز المائة والخمسة عشر عاماً، متجاوزة العمر القياسي الذي سجله الياباني «ساكاري موموي» والذي حاز على لقب عميد المعمرين العالميين رسميّاً حيث توفي عن عمر ناهز (112) عاماً، وقد تلقى شهادة رسميّة بذلك من موسوعة جينس للأرقام القياسية في (أغسطس 2014م).
عاشت المعمرة الأردنية هذه المدة الطويلة من عمرها بتمام وعيها وذاكرتها وحيويتها، وظلت قادرة على خدمة نفسها ومعرفة من يخاطبها، والقيام بأعمال الطهارة والعبادة الى آخر عمرها؛ حيث تعرضت لحادث كسر بعد وصولها لسن (114) عاماً، فأقعدها عن الحركة في السنة الأخيرة من عمرها فقط نتيجة خطأ طبي.
تقدر ذرية هذه المرأة الصالحة بـ (500) شخص على الأقل؛ من الأبناء والأحفاد وأحفاد الأحفاد، إذ إن بعض أحفادها تجاوزوا الستين عاماً من عمرهم، ومن أبنائها من يحمل الشهادات العليا في الحقول والتخصصات المختلفة، وهي أم الأستاذ الدكتور «عقلة الصمادي» أستاذ العلوم التربوية المعروف في جامعة اليرموك. الحاجة الفاضلة الصمادي ولدت في عام (1900)، شهدت الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتعي ما يطلق عليها الأردنيون «كسيرة تركيا» ،كما أنها عاصرت أربعة ملوك توارثوا عرش الحكم في الأردن، وهي عبارة عن سجل تاريخي لكثير من الأحداث الكبيرة والصغيرة التي تسطر حياة الأردنيين عبر قرن ونيف من الزمان.
هذه المرأة النعيّميّة تمثل انموذجاً من الأمهات والجدات الأردنيات، اللواتي أشرفن على تخريج أجيال متتابعة من النساء و الرجال الأردنيين، الذين نثروا حبات القمح في سهول حوران ومأدبا والكرك، وزرعوا الكروم في سفوح جبال عجلون والسلط والشراة، وخرّجن أجيالاً من الحرّاثين والحصّادين الذين عطّروا الأرض بقطرات العرق النازفة من جباههم التي لوحتها الشمس، والسواعد السمر القابضة على المنساس و المحراث والمنجل، من أجل أن تنعم الأجيال من بعدهم بحياة عزيزة كريمة، يحظون من خلالها بالتعليم السّوي، الذي يجعلهم أكفياء مقتدرين على حفظ بلادهم وصيانة تربتها من العبث، و يمتلكون القدرة على الاستثمار الأمثل لمواردها، وحفظ حق الأجيال القادمة التي لم تأت بعد.
هذا الجيل من الأمهات والجدات جيل مجاهد حقاً، لأنهم ذاقوا مرارة التعب والكدح والخوف والجوع، وقاوموا مرض» الملاريا» الذي كان يحصد الأرواح حصداً، وقاوموا «السل» الذي كان يستعصي على العلاج، وقاوموا أسراب الجراد التي كانت تحجب قرص الشمس، وتزحف لتأكل الأخضر واليابس، بأدوات بدائية من صنع أيديهم، ولكنهم لم يضعفوا ولم يستكينوا ولم يستسلموا ولم يرفعوا الراية البيضاء، وكانوا يهتفون في أعراسهم وأهازيج حصادهم ضد الاستعمار والصهيونية، ويتبرعون رغم الفقر والعوز وقلة ذات اليد لثورات الجزائر وفلسطين وكل ثورات العرب، ويناصرون الأحرار، ويأوون المجاهدين ويمدونهم بالسلاح.
يحدثني الصديق «محجوب الروسان» أنه كان يشاهد أمّه وهو طفل تخرج تكنس الشارع أمام بوابة «الحوش» من الخارج؛ وقد خبأت (نصف دينار ورقيا) في عصابة رأسها تنتظر مرور أحد رجال المقاومة الفلسطينية المسلحة، ثم تناوله (نصف الدينار) على عجل و لا يلحظها أحد، ثم تدخل مسرعة وتغلق البوابة خلفها.
نحن جميعاً مدينون لهذا الجيل العظيم من الرجال والنساء؛ الذي ملك هذا المخزون الهائل من قيم الفضيلة ومعاني الفروسية النبيلة، ويقتضي ذلك منا السعي الحثيث نحو امتلاك القدرة الجمعية الفاعلة؛ التي تؤهلنا لحفظ أوطاننا، وحمل أمانة المسؤولية في الدفاع عن حدودها ومقدراتها، وخاصة هذا الجيل المتعلم الذي نال قسطاً وافراً من المعرفة والمهارة والتقنية المتقدمة التي كان يفتقر إليها آباؤنا وأمهاتنا.
الدستور

