فساد جديد
يسجل لهيئة مكافحة الفساد فتحها لملف ما يعرف ببطاقة المستورد، الذي بات واضحا أنه نوع جديد من اشكال الفساد الذي يمارسه البعض بتوظيف حاجة الناس المعيشية وقلة معرفتهم.
بطاقة المستورد الذي استطاعت الهيئة خلال الاسابيع القليلة الماضية من نبش عش الدبابير، وأطاحت بـ32 شركة تعمل في منطقة الاقتصادية الخاصة، حيث تسببت هذه الشركات بتفويت ما يزيد على 42 مليون دينار كرسوم جمركية وضريبة مبيعات، جراء تهرب اصحاب الشركات الحقيقية من دفعها.
ما يحدث في بطاقة المستورد وسوء التوظيف الحاصل فيها يستدعي من الجهات الرسمية ان تتابع خطوة هيئة مكافحة الفساد ودق جرس الانذار للحد من تنامي هذه الظاهرة المقلقة اقتصاديا وامنيا في ان واحد.
بطاقة المستورد وسيلة لضبط وتنظيم عمليات الاستيراد والتصدير، وتعرف القائمين عليها، ومعرفة القطاعات التي يتعاملون بها، حتى تساعد الجهات المعنية على وضع تصور كامل عما يحدث في قطاع الاستيراد والتصدير، وتستطيع ايضا ان توجه السوق وتنظم كمياته او تحد من الاستيراد الزائد في بعض الاحيان والذي يخل بمبدأ التنافسية في الاسواق، مما يتطلب تدخلا حكوميا كما حصل في قطاع الحديد مثلا حيث تم تحديد ” كوتات” في ذلك.
لكن التوظيف الخاطئ لبطاقة المستورد ظهر بشكل جلي في الاشهر القليلة الماضية حيث جرى استخدامها من قبل اشخاص في اعمال غير سوية، واستغلوا حاجة بعض المواطنين المعيشية، ليسجلوا تلك البطاقة باسماء هؤلاء المحتاجين لقاء مبالغ مالية متواضعة، ومن ثم يستورد على اسماء هؤلاء بضائع وسلع بملايين الدنانير، وفي حال عدم تمكنهم من تهريبها او تمرير تلك البضائع من خلال عمليات تقدير اقل من قيمتها الحقيقة، أو في حال اكتشافها؛ فان اصحاب البضائع الحقيقيين يتهربون من دفع الالتزامات المالية المترتبة عليهم ، ويتحملها في هذه الحالة من سجلت بطاقة المستورد باسمه وهو شخص فقير متعثر استغلت حاجته المادية ليتحمل بعد ذلك وزر ما كلف به.
لكن النقطة الاهم في هذه الظاهرة الي بدأت تنتشر؛ هي موضوع الشركات ذات المسؤولية المحدودة وشركات التضامن، إذ بات باستطاعة اي شخص ان يسجل شركة من هذا النوع ومن خلالها يصدر بطاقة مستورد ليس فقط لسلعة معينة، وانما لعشرات الاصناف من السلع المستوردة لحساب هذه الشركة، وتكون ايضا البطاقة مسجلة باسم شخص متعثر، وهنا يتطلب من الجهات المسؤولة اعادة النظر في هذا الامر برمته.
لا يكفي قيام هيئة مكافحة الفساد بضبط المتلاعبين ببطاقة المستورد وتحويلهم للقضاء، فهذه منظومة عمل يجب ان تكون متكاملة بين كافة اطراف العملية، ابتداء من الاعلام التوعوي الذي يجب ان يقوم بدوره في تنبيه المواطنين من هذه الظاهرة وعدم الانسياق وراء الاغراءات المالية، لان عواقبها قد تكون وخيمة في حال مخالفتها للانظمة والتعليمات.
وعلى الجهات المعنية العمل بشكل مؤسسي لمعالجة انتشار تلك الشركات الوهمية التي تنشأ لفترات محدودة للغاية لمجرد اصدار بطاقة المستورد.
والامر يطال وزارة الصناعة التي يجب ان تتاكد من سجل المستوردين والمصدرين وقطاعاتهم التي يتعاملون معها وتاريخهم في التعاملات، فلا يعقل ان يدخل على السوق فجاة اسم شخص نكرة يقوم باستيراد بقيمة ملايين الدنانير في قطاعات متعددة ، وهذا امر بحد ذاته يثير التساؤلات والاستغراب في ان واحد.
في النهاية؛ بطاقة المستورد الية تنظيمية لحفظ السوق وتحقيق التوازن والحفظ على المصلحة العامة، وتحقيق العدالة في التعامل الضريبي والجمركي بين فعاليات القطاع الخاص، لذلك فان توظيفها السيء يؤدي الى الاخلال في هذه المعادلة التنافسية بين المستورد الملتزم والمستورد الوهمي الذي يتحايل على القانون الذي يفوت على الخزينة ملايين الدنانير جراء التهرب والتلاعب الضريبي والجمركي والذي لا يمكن ان يتحقق لولا تواطؤ بعش المعنيين في هذا الامر.

