الأردن.. من المحافل إلى المحاكم
ها هي واحدة من أبر الشركات الاستثمارية في المملكة وبعد أن أنجزت مشروعها، سجلت قضية تحكيم دولية على الحكومة الاردنية تطالبها فيها بمبالغ وتعويضات مالية كبيرة جراء عدم تنفيذ الانفاقية بينهما بالشكل المتفق عليه.
شركة “جاما” التركية المنفذة لمشروع جر مياه الديسي، تنضم الى كبريات الشركات الاجنبية التي رفعت دعاوى قضائية على الحكومة الاردنية لدى محاكم التحكيم الدولية لتحصيل مطالبها وتعويضات عن حقوقها التي ترى أن الحكومة أخلت بها وألحقت بها أذى اقتصادي كبير.
“جاما” التركية تطالب حكومة النسور بدفع تعويضات مالية قدرها 90 مليون دولار جراء عدم التزامها بالاتفاقية الموقعة معهم، ويستندون في دعواهم الى كتاب رسمي من وزير المالية موجه لهم يقترح عليهم عدة مقترحات لتعويضهم بدلا من دفع كامل المبلغ المطلوب.
قبلها بشهرين “فرانس تيليكوم”، المالكة لمجوعة اورانج، سجلت قضية رسمية في المحاكم الدولية على حكومة النسور بسبب السياسات الحكومية، التي تتعامل مع الشركة وفق منطق الجباية، والتي كانت اجلى صورها بالقيمة الكبيرة التي فرضتها الحكومة على الشركة لتجديد رخصة الجيل الثاني والتي أجمع عديدون حتى الشركات المنافسة، على أنه خرافي وغير عادل، وهو ما دفع الشركة إلى تجديد الرخصة لمدة خمس سنوات بدلا من 15، كما كان مخططا له.
شركة “لافارج”، عملاق الاسمنت العالمي، أبدت استغرابها الشديد من تعنت الحكومة ورفضها المطلق لاستثمار الشركة لأراضيها في منطقة الفحيص، وهي تنفذ الآن خطوات فعلية لإغلاق المصنع والخروج منه نهائيا، بعد رفض طلباتهم باستخدام الفحم البترولي، لذلك فالشركة بصدد دراسة تطوير أراضيها في المنطقة، والبالغة مساحتها 1884 دونما، إلا أن الحكومة ترفض أي تغيير في استخدامات الاراضي لاسباب مختلفة، منها ما هو متعلق بمدينة الفحيص نفسها، وأخرى تتذرع بعدم امتلاك الشركة للأراضي كلها، علما بأن هناك سندات ملكية كاملة وقانونية في جميع اراضي الفحيص مسجلة باسم مساهمي شركة الاسمنت الاردنية، التي تمتلك لافارج ما يزيد على 51 بالمئة من أسهمها. وهي أيضا أمهلت الحكومة وقتا جديدا لإنهاء هذه المشكلة قبل اللجوء إلى المحاكم الدولية.
ولا ننسى ما يدور الان بين الحكومة وصندوق بروناي للاستثمار والذي بدأ فعلا باجراءات التقاضي الدولي وها هو يستعد لرفع قضية على حكومة النسور التي أخلت بالاتفاق الموقع معها حول الفوسفات بحسب وجهة نظر الصندوق.
قبل ذلك، هناك فعلا من ذهب إلى المحاكم الدولية؛ فرجل الأعمال المصري نجيب ساويرس لجأ للمحاكم الدولية، بعد أن فرضت عليه المحاكم الأردنية مبالغ وغرامات تقدر بنحو 100 مليون دولار، ثمن ما يسمى بـ”الشهرة”، التي تحصّل عليها من بيع أسهمه في “فاست لينك” إلى مجموعة “زين” الكويتية بمبلغ 415 مليون دولار.
الأمر ذاته بالنسبة لرجل الأعمال الكويتي فؤاد الغانم، الذي حكمت المحاكم الأردنية عليه برسوم وغرامات تتجاوز 60 مليون دولار، جراء الشهرة التي اكتسبتها صفقة بيع “أمنية” لشركة “بتلكو البحرين” بمبلغ 315 مليون دولار.
في كلتا الحالتين السابقتين، تسعى الحكومة لتحصيل أموال من أهم صفقات بيع شركات الاتصالات الاردنية الخلوية، والتي تمت في السنوات السابقة وأثارت جميعها جدلا واسعا في الشارع، نتيجة ضخامة هاتين الصفقتين، وفي الحقيقة أنه لا يوجد في قانون الضريبة الأردني ما يفرض على البائعين دفع أي ضرائب، تحت ما يسمى ببند الشهرة أو ضرائب رأسمالية، ولكن الحكومة وجدت نفسها في مأزق أمام الرأي العام، نتيجة عدم استفادة الخزينة من تلك الصفقات، فقررت الرجوع بأثر رجعي لتحصيل ضريبة رأسمالية على صفقتي “فاست لينك” و”أمنية”، وهو ما دفع بالبائعين إلى اللجوء للمحاكم الدولية.
للأسف؛ كل الجهود، التي يبذلها الملك في جذب الشركات الاستثمارية العالمية للأردن، وجعل المملكة انموذجا استثماريا وتنمويا فريدا في المنطقة، تصطدم بسياسات وإجراءات حكومية “تطفش” المستثمرين، وتهدم كل ما بناه جلالة الملك في زياراته ولقاءاته مع كبار المستثمرين العالميين.
في اللقاء الأخير لجلالة الملك مع كبريات الشركات الفرنسية في باريس، لم يتوان رؤساء تلك الشركات العالمية عن الثناء والاعجاب بالجهود الملكية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وجذب المستثمرين للمملكة، لكن اللقاء لم يخلُ من العتب الشديد على الحكومة التي بحسب رأيهم، ستدفعهم إلى اللجوء للمحاكم الدولية لتحصيل حقوقهم منها.
هذا العتب أوقع الوفد الأردني بموقف حرج، ففي الوقت الذي يتم فيه شرح الميزة التنافسية لبيئة الاعمال الاردنية وما تتمتع به من استقرار من بين دول منطقة الشرق الاوسط، يتفاجأ الملك بانتقاد مباشر من الشركات العالمية للإجراءات التي اتبعتها الحكومة ضد استثمارات هذه الشركات في المملكة، وتعامل الحكومة “الجبائي” معها.
[email protected]
[email protected]

