دولة الرئيس يختزل خبز الفقراء
لا شك بأن الشعب الأردني (محظوظ ) بأن منّ الله عليه برئيس الحكومة دولة الدكتور عبد الله النسور في هذه الظروف المضطربة. هذا الرئيس الذي جاء لينقذ الأردن من ورطته الاقتصادية ، فشل في مسعاه وزاد الطين بلّة ، إذ تجاوز الخطوط الحمراء في كثير من المجالات دون أن يرفّ له جفن ، وهو فِعْلٌ شجاع لم يُقدِم عليه أي رئيس حكومة سابق ممن توارثوا المنصب طيلة عمر الدولة .
عند تولي الدكتور النسور منصبه الحالي في أواخر عام 2012 استطاع أن يسوّق على الشعب الأردني أحجيته الشهيرة ” إما انهيار الدينار أو رفع الأسعار ” ونجح في رفع الأسعار مرات عديدة ، حيث استجاب له المواطنون وضحّوا بقوتِ أطفالهم في سبيل الحفاظ على أمن بلدهم . وبعد أن استحكم دولته في قلعة الدوار الرابع – وهو الموقع الذي كان حلما ناضل من أجله النسور طيلة مسيرته الوظيفية – انقلب على جميع المبادئ والشعارات التي رفعها في معارضته لرؤساء الحكومات السابقين ، متجاوزا كل الخطوط الحمراء المتعلقة بمعيشة المواطنين .
من بين تلك الخطوط : تجاوز الحد المقرر للمديونية التي بلغت حتى الآن أكثر من 23 مليار دينار وبما يفوق 80 % من نسبة الناتج المحلي الإجمالي ، وأدخل الدولة في دائرة الخطر الاقتصادي . يقول دولته بثقة وإصرار بأن المديونية لم تزد دينارا واحدا في عهده وكأنه يخاطب سكان المرّيخ وليس الشعب الأردني . فذاكرتنا تقول أن المديونية كانت عندما تولى رئاسة الوزراء 16 مليار دينار . وعليه أود أن أسأل دولته : من أين جاءت المليارات السبعة الزائدة مع ما يرافقها من تزايد في المديونية بمعدل مليارين ونصف دينار سنويا ؟
وبالنسبة للبطالة فقد وصلت إلى ما نسبته 30 % بين الشباب ، دون أن تتوفر لهم وظائف في القطاع العام أو في القطاع الخاص . كما أن استيراد اللاجئين السوريين والجنسيات الأخرى رفع عدد سكان الأردن إلى ما يزيد عن 10 ملايين نسمة وأصبحوا يشكلون ضغطا كبيرا على جميع مصادر الدولة .
وعلى الصعيد الاقتصادي فهناك رفع لأسعار المحروقات والماء والكهرباء والضرائب والرسوم واستحداث الجديد منها بصورة جبائية . كان نتيجة ذلك أن أغلقت 1500 شركة أبوابها في السنوات الأخيرة وهاجرت إلى الخارج ، عزف كثير من المستثمرين عن القدوم إلى الأردن ، بسبب الضرائب المرتفعة وتعقيد الاجراءات التي يواجهونها في ممارسة أعمالهم .
أما الخطر الجديد الذي يهدد أمن واستقرار الوطن ، فهو ما يبشّرنا به دولة الرئيس عن نيته في رفع الدعم عن الخبز – غذاء الفقراء – بغض النظر عن عواقبه . يرافق ذلك خداع المواطنين كما هو الحال في لعبة دعم المحروقات خلال السنوات السابقة ، وذلك بتعويض الفقراء فارق دعم الخبز من خلال بطاقة ممغنطة ، وهو يعلم أن الأردنيين يأنفون الوقوف في طوابير تظهرهم كالمتسولين .
ولعلي أذكّر دولته بعواقب مثل هذا الإجراء الذي ينوي الإقدام عليه في تحد لمشاعر المواطنين ، بما حدث في ثورات الخبز خلال العقود الماضية وفي دول مختلفة : ثورة الخبز في مصر عام 1977 ، ثورة الخبز في تونس عام 1984 ، ثورة الخبز في المغرب عام 1984 ، ثورة الخبز في الجزائر عام 1988 ، ثورة الخبز في الأردن عام 1989 وتكررت عام 1996 . لقد استخدمت الأنظمة الحاكمة في تلك الدول ، قوات الشرطة وأتبعتها بالقوات المسلحة لإخماد تلك الثورات المحلية ، بعد أن أدخلت بلدانها في قلاقل لا لزوم لها . ولم يهدأ فوران شعوبها إلا بعد أن تراجعت الحكومات عن قراراتها الخاطئة ، بعد أن سقط من جرائها أعداد كبيرة من القتلى والجرحى من بين صفوف المواطنين .
ومن أهم ثورات الخبز التي جرت في التاريخ ثورة الشعب الفرنسي . ففي عام 1789 اشتهرت الملكة ماري انطوانيت زوجة لويس السادس عشر ملك فرنسا ، بحياة البذخ والملذات وتبديد أموال الدولة على المحاسيب والأصدقاء . وكان زوجها ضعيف الشخصية مما جعلها تأخذ موقع الحاكم الفعلي في البلاد ، تعين الوزراء وتعزلهم وتتصرف بأمور الدولة كما تشاء .
جاع أفراد الشعب الفرنسي وساءت أحوالهم المعيشية ، ولم يُعرْهم المسؤولون أي اهتمام ، فاحتجوا وخرجوا بمظاهرات أمام القصر الملكي . وعندما سألت الملكة عن سبب التظاهر ، قيل لها أن الناس جياع ويطالبون بالخبز ، فأجابت لماذا لا يأكلون البسكويت ؟ عندها تأكد المتظاهرون بأن الملكة وزوجها يعيشان في عالم آخر بعيدا عن قضايا الشعب ومعاناته .
ازداد غضب الشعب على نظام الحكم وكرههم للملك الضعيف والملكة المبذّرة ، فانفجر في ثورة عارمة تطالب بالخبز امتدت مشتعلة لثلاث سنوات ، أدت في نهايتها للإطاحة بالنظام والحكم على الملك بقطع رأسه . بينما اقتيدت الملكة في عربة مكشوفة طافت بها في شوارع باريس ، ليرميها الناس بالأوساخ جزاء لتصرفاتها المستفزة للمواطنين . فكانت نهايتها تحت حد المقصلة وقطع رأسها على مرأى من جموع الشعب الفرنسي .
أعود لموضوعنا فأقول لحكومتنا التائهة : بدلا من رفع الدعم عن الخبز يمكنكم اتباع إجراءات عديدة ترشّد الاستهلاك ، وتحد من التوسع في الإنفاق غير الضروري ، منها على سبيل المثال وليس الحصر : عدم إقامة المفاعل النووي ، الغاء استخدام السيارات الحكومية التي تجوب الشوارع ليل نهار واستبدالها ببدل النقل ، التقليص من زيارات الوفود الرسمية للخارج ، تخفيض عدد السفارات الأردنية التي لا لزوم لها في الخارج ، وغير ذلك مما يعرفه المختصون.
ختاما أنصح دولة الرئيس أن لا يختم حياته الوظيفية بخطيئة جديدة ، تزعزع الاستقرار في البلاد وتشكل عبرة سيئة للأجيال اللاحقة ، إذا ما مد يده إلى خبز الفقراء ، كما مد يده بكل جرأة إلى جيوبهم الخاوية مرات عديدة في السنوات السابقة .

