صحيفة الكترونية اردنية شاملة

رسالة من معاذ الكساسبة إلى رائد زعيتر

0

سعادة القاضي رائد زعيتر شهيد الكرامة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أكتب لك أخي العزيز رائد في ذكراك السنوية الأولى وقد أثقلت كاهلي وأرهقتني أمانة حمّلني إياها الوطن عندما علم بمقدمي إلى حيث أنت الآن … لقد حملني أمانة السلام عليك.
وما زاد في ثقل الأمانة أن السلام لك وعليك من الوطن -كل الوطن- من سمائه وأرضه، وماءه وترابه، وشجره وحجره، وبدوه وحضره … وها هي تلك عصافير الوطن تحلق في سمائه الزرقاء معلنة شوقها وحنينها إليك فوق ربى إربد وحيفا، وعلى أغصان زيتون عمان والقدس، ومن على سفوح جبال السلط ونابلس، ومروراً بالكرك والخليل حتى تأوي إلى شطآن العقبة وأم الرشراش.
السلام لك وعليك من الوطن، من الأردن وفلسطين، فالوطن عنوانه حيث يكون القلب، وهل تعّلق قلبي وقلبك وشُغفنا حباً وأُنهكنا عشقاً بغير هاتين يا أبا علاء؟
أكتب لك يا شهيد الكرامة وقد مر عام على ارتقاءك في آذار الماضي … آذار … ولا عجب أنك ارتقيت في شهر الأم ومعركة الكرامة، فالأم كرامة والكرامة أم، وكأنك باستشهادك أضفت إلى المعاني معاني وإلى الكرامة كرامة.
ولم نكد نتعافى من صدمة نبأ استشهادك حتى استفقنا على خبر وفاة إبنك. إبنك البكر ووحيدك علاء قد أسلم الروح بعدك بأقل من ثلاثة أسابيع، وكأنه لم يقوى على العيش بدونك وأبى إلا أن يكون عصفوراً من عصافير الجنة يحلق فوقك كي يظلّك بجناحيه. لا تحزن، لا تحزن أخي رائد، فلعل الله رزقك إياه كي يكون سبباً في نيلك الشهادة وقد عاد إلى خالقه بعد أن أدّى مهمته. لا تحزن يا صديقي، فجَرْيُك كالملهوف سعياً لتأمين تكاليف علاجه كانت الدليل الدامغ على نظافة يدك ونزاهتك في زمن عزّ فيه بياض الصفحة. لا تحزن، فذِكرك موصول لا مبتور، وسيظل اسمك محفوظ في قلوب الاردنيين ومحفور في وجدانهم تحمله صفحات كتب التاريخ بأحرف من ذهب.
الحبيب رائد، لا أُذيع سراً إن قلت لك بأني -كحال الأردنيين كلهم- كنت في حالة ترقب وانتظار لصدور التقرير الذي من المفترض أن يحوي نتائج التحقيق في قضية استشهادك، والذي –وبحد علمي- لم يصدر بعد!
لا يهم، فقد أصدر الشعب الأردني تقريره وحكمه على الجاني، وإن هذا الشعب يتحين الفرصة للثأر لك بعد أن يقضي الله أمراً كان مفعولا. ولا أخفيك أني كنت أدعوا الله أن يمّن عليّ بالتحليق فوق القدس وحيفا محرراً وآخذاً بثأرك وثأر فراس العجلوني وموفق السلطي … نحن شعب لا يفرط بحقه أبداً، يكظم الغيظ ولا ينسى.
وفي الختام أود أن أعبر عن شكري لك، نعم، فلولا أنك كنت أنت الرائد لما توَحد الشعب الأردني كله على قلب رجل واحد عند استشهادي. فلم تخرج أصوات النشاز تلك التي كانت تنعق وتطالب غيرنا بأخذ ثأرك، ولم يتقاعس أحد عن ملاحقة قتلتي، وإنما هبّ الجميع بحميّة الأردنيين المعهودة.
وأود أن أشكرك أيضاً لأني تذكرتك عند مواجهتي قتلتي الذين كانوا يتربصون بي ريب المنون. تذكرتك وأنت تقف بشموخ وكبرياء، تتلقى الرصاص بصدرك العاري، المليء بنَفَسٍ عبقٍ بالإباء ودماءٍ تغلي بالكرامة … وما زادتني ذكراك إلا تحدياً وعزماً وصلابة.
ولك مني خالص المحبة والتحيات،،،
الشهيد معاذ الكساسبة
ملاحظة: هذه الرسالة مُتخيّلة بالكامل ولا صلة لها بالواقع، إلا أني أعتقد أنه إذا قُدّر اللقاء بين الشهيدين، ستكون هذه الرسالة أقل ما يمكن أن يفيض به البَوح. وأعتذر بشدة وحرارة إن كنت قد نكأت جروحاً وأثرت أشجاناً في قلوب عائلتي الشهيدين، ولكني أظن أن الوطن في أمس الحاجة لهكذا الحديث.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.