صحيفة الكترونية اردنية شاملة

المعركة من أجل النساء

0

لا أخبار جديدة في هذا الشرق تروى حول النساء إلا ما يفعله الانحطاط الذي يكبل هذه المجتمعات، ويعاد إنتاجه، وأكثر من يدفع ثمنه النساء وهو الثمن الذي تعاقب من خلاله المجتمعات هدرا من عمرها الحضاري في متوالية لا تتوقف من الخسائر، في اليوم العالمي للمرأة علينا أن نتوقف عند جردة حساب عن مكانة المرأة في التحولات العربية التي شهدتها السنوات الأربع الماضية، المخجل أن النساء هن أول ضحايا هذه التحولات؛ مرة حينما كن جريمة الرجل ومرة جريمة المجتمع ومرة جريمة السياسة والاقتصاد؛ ما يعني مجددا ان معركتنا الحقيقية داخلية في عمق هذه المجتمعات في بناها الثقافية الراكدة منذ قرون وفي عمائرها الاجتماعية المتهالكة والضعيفة وفي موقفها الحضاري المريض.
ثلاث خلاصات من عمر تجربة التحولات يمكن أن نرصدها من مركزية أوضاع المرأة في الأزمة العربية، الخلاصة الاولى: كشفت هذه التحولات وهن الثقافة التي أسستها النظم والنخب العلمانية والليبرالية في المجتمعات العربية على مدى عقود طويلة، إلى جانب نضالات المجتمع المدني في مجال حقوق المرأة، وافتقاد هذه الثقافة للعمق الاجتماعي؛ كيف لا وقد وقفت عاجزة حتى عن حماية الإنجازات الضئيلة التي تحققت للنساء؛ وهذا ما لاحظناه في حجم العنف الذي تعرضت له النساء خلال هذه السنوات. تشير المعلومات الى أن أبرز ضحايا الأزمة السورية هن النساء تحديدا في تحمل تجربة اللجوء القاسية وهو الامر الذي يتكرر بأشكال اخرى في المشاهد المروعة القادمة من المدن اليمنية والليبية وقبل ذلك رصد أن واحدة من بين كل اثنتين من النساء التونسيات تعرضت للعنف منذ بدأ الربيع التونسي، إضافة إلى المشاهد التي رآها العالم للاعتداءات الشرسة التي واجهتها نساء من خلفيات متعددة في الساحات المصرية. مشهد الموقف السياسي والاجتماعي في أجواء هذه التحولات ليس واحدا، لكن بعد أكثر من أربعة أعوام على هذه الحركة التاريخية ثمة قناعة عميقة بأن أوضاع النساء ليست بخير.
الخلاصة الثانية: لم يستمر الاستبعاد السياسي والاقتصادي للنساء العربيات مع هذه التحولات بل ازداد، يقال اليوم إن المزاج الاجتماعي السياسي يعيد تشكيل وهندسة الفضاء الاجتماعي والسياسي، ويلاحظ فيه لغة ثأرية تحاول الانتقام من النساء اللواتي اخترقن المجال العام في البلدان التي مرت بتلك الثورات وتلك التي شهدت إصلاحات متدرجة مثل الاردن. إعادة الهندسة الاجتماعية تستهدف إعادة المرأة الى البيت، بينما يبقى المجال العام حكرا للرجال، إنها ردة اجتماعية عميقة إذا ماصح هذا التفسير.
الخلاصة الثالثة: توريط النساء في حروب الجهاد وحبائلها الغامضة بشكل لم يحدث بهذه البشاعة من قبل، سواء بعودة أسواق السبي أو بتوريط النساء في غواية الجهاد، فحسب تقرير أصدره مؤخرا (مركز دراسات التطرف) ومقره لندن أن عدد النساء في (الدولة الاسلامية) قد بدأ بالتزايد بشكل كبير منذ عام 2013 وبعد سيطرة التنظيم على مدينة الرقة تحديدا، حيث اصبحن يشكلن نحو 40 % من عدد الرجال ومعظمهن من العربيات والأجنبيات، وهو ما يتناقض مع تقاليد التنظيمات الجهادية الاسلامية في السابق التي كانت تذهب نحو مقولة لا مكان للنساء في الحرب. وتبرز قوة النساء في هذا التنظيم ليس فقط في الكتائب العسكرية بل في الأعمال التنظيمية “للدولة الناشئة”، والأخطر من ذلك قوة حضور النساء الداعشيات على الشبكات الإعلامية الحديثة، حيث توجد حسابات شهيرة لعضوات في التنظيم على شبكات الإعلام الاجتماعي يقدمن نصائح وإرشادات ودعوات للنساء الراغبات في الالتحاق بالتنظيم.ليست هذه الظاهرة الوحيدة التي تكشف نمطا مسكوتا عنه من أشكال التطرف في استخدام النساء حتى لدى التنظيمات الدينية الأقل تطرفا مثل تنظيمات الإخوان المسلمين، التي تعتمد بشكل أساسي على النساء غير المنظمات قبل المنظمات باعتبارهن خزانا عاطفيا قابلا للتعبئة والتوجيه وهو ما كان ينجح في مختلف اشكال الانتخابات بدءا من انتخابات الطلبة في الجامعات وصولا الى الانتخابات التشريعية والرئاسية. وتقدم الحالتين المصرية والتركية نماذج دالة على قوة النساء في التعبئة السياسية وقوتهن في الصناديق.
الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.