صحيفة الكترونية اردنية شاملة

ترليونات أميركا لا تكفي لتعويض الفلسطينيين..!

0

محكمة اتحادية أميركية حكمت الأسبوع الماضي بتغريم السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير مبلغا يصل إلى 560 مليون دولار، تعويضا لعائلات قتلى أميركيين قالت المحكمة إنهم كانوا ضحايا هجمات شنها فلسطينيون. وقررت المحكمة أن السلطة الفلسطينية قامت بـ”دعم ورعاية وتدريب المتورطين في تلك الهجمات، كما قامت بتقديم دعم مالي إلى أسرهم وعائلاتهم بعد ذلك، وبالتالي، فهي مسؤولة عن وقوع تلك الهجمات”.

بحسب حنان عشراوي، اعتمدت المحكمة شهادات جنود للكيان شاركوا في اجتياح “المقاطعة” في رام الله سنة 2002، واستولوا على وثائق منها بطريقة غير مشروعة. ويتساءل المرء عن عدم إسقاط المحكمة شهادة هؤلاء باعتبارهم ممثلي احتلال غير مشروع ومخالفين صريحين للقانون الدولي، بالإضافة إلى حصولهم على “الأدلة” بطريقة غير مشروعة. كما يتبين أن المحكمة استندت على عدم اعتراف حكومتها بالسلطة الفلسطينية وفلسطين كدولة، لأن المحكمة ليست مخولة بمحاكمة دول.
إذا اعتمدت المحكمة على دعم السلطة الفلسطينية المزعوم للمتهمين الفلسطينيين ودعم أسرهم، لتعتبرها مسؤولة، فماذا عن دور أميركا في مصائب الفلسطينيين والعرب من ورائهم؟ لقد عبّر الكاتب الأميركي نيكولاس كريستوف عن هذه المسؤولية مؤخراً حين كتب: “يبقى الاحتلال (الإسرائيلي) مسيئاً بشكل خاص بالنسبة لي لأنه يمارسه حليف للولايات المتحدة، ويتم تعهده بدولاراتنا نحن دافعي الضرائب، ودعمه بمساهمات الإعفاءات الضريبية للمجموعات الاستيطانية، وتنفذه الجرافات والأسلحة الأميركية، ويشرف عليه رئيس وزراء من المقرر أن يتحدث أمام الكونغرس في هذه الأيام”.
إذا كانت المحاكم الأميركية عادلة، فإنها يجب أن تقبل عشرات ملايين القضايا المطالبة بالتعويض من عائلات الفلسطينيين القتلى طوال 67 منذ النكبة؛ يجب أن تقبل مطالبات بالتعويض عن الممتلكات المسروقة (فلسطين التاريخية)، والأضرار المادية والمعنوية المترتبة على تشريد الفلسطينيين وجعلهم لاجئين، هم وأولادهم وأحفادهم؛ ويجب أن تحكم بتعويض كل الجرحى والمصابين، والأسرى والمبعدين. وينبغي أن تحكم لضحايا المذابح الصريحة المسجلة في الوثائق والتاريخ، بدءاً من كفر قاسم، وليس انتهاء بصبرا وشاتيلا وصلتهما بالكيان -باعتراف تحقيقات الكيان- ثم غزة وغيرها.
وأيضاً، يجب أن يعوض الأميركيون عائلات الآلاف من أجيال الثوريين العرب الذين طالبوا بالحقوق المدنية وبحق العرب في فلسطين، فتعرضوا للقتل والاعتقال والملاحقة على يد الأنظمة التابعة لأميركا في المنطقة على مدى عقود. وإذا كانت أميركا –بإجماع الكثير من الآراء- هي السبب الأول لصعود التطرف الذي يحصد الآلاف من أرواح العرب وممتلكاتهم ويزرع الرعب في مناطقهم، ولها اليد الطولى في تخريب ربيع العرب، فإنها يجب أن تدفع تعويضاً عن كل ذلك أيضاً –على قاعدة المسؤولية التي اعتمدتها المحكمة.
في الأساس، طالب مقيمو الدعوة بمبلغ مليار دولار، لتعويض 33 قتيلاً ونحو 400 جريح. وبالقياس، وباحتساب أعداد ضحايا السياسات الأميركية في فلسطين والمنطقة من القتلى والجرحى والذين تدمرت حيواتهم بشكل أو آخر، فإن أميركا لو باعت نفسها ومواطنيها وممتلكاتها بسعر السوق، ومعها المستوطنون الذين ترعاهم في فلسطين، فإن الترليونات كلها لن تكفي لتدفع جزءا مما يستحقه الفلسطينيون والعرب من تعويضات.
لقد استند الحكم المذكور على القاعدة المعروفة: من يمتلك القوة يمتلك الحق. لكنه استند أيضا على استثمار لئيم للتركيبة الفلسطينية. إن وجود السلطة الفلسطينية، في وضع أقل من دولة، يزود الأميركيين والصهاينة بشخصية اعتبارية يمكن أن يقاضوا من خلالها الشعب الفلسطيني ويعاقبوه -بالقانون. وهي توفر وسيلة متاحة للضغط على “الفلسطينيين” سياسياً ومالياً كما يحدث في إخماد المقاومة، وتحكّم الكيان والكونغرس بالأموال التي تعيش عليها “السلطة”، ويعيش عليها الفلسطينيون المحرومون الآن من رواتبهم (بسبب تمرد السلطة المتفرق على شروط أميركا والاحتلال؟!) وشرط حياتهم جميعاً هو أن تقبض السلطة أجرها على أساس التنفيذ التام لوظائفها: التنسيق الأمني مع العدو لقمع مقاومة الفلسطينيين؛ التنازل عن أكبر حصة من فلسطين وحقوق الفلسطينيين باسم الفلسطينيين؛ التغطية على سوأة الاحتلال وحمل الكلفة المادية والأخلاقية نيابة عنه؛ وأخيراً، مقاضاة الفلسطينيين من خلالها –وعلى أساس ازدرائها بوصفها بأقل من دولة.
أخيراً، هددت السلطة ثانية بوقف التعاون الأمني مع العدو– ولم تفعل. فماذا بشأن ما يقترحه كل منطق: حل السلطة نفسها، وإعادة كلفة الاحتلال للمحتلين، وحرمان أميركا من كينونة مزدراة تعاقب من خلالها الفلسطينيين؟
الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.