صحيفة الكترونية اردنية شاملة

أن تكون أنت

0

تبحث الفكرة عنك كما تبحث عنها. وفي اللحظة التي تبدأ في البحث، تتدفق الأفكار.

وعندما شعرت بالحاجة إلى معرفة ذاتي، وأن أتعلم الاستماع، وجدت كتب إريك فروم؛ “فن الإصغاء” و”فن الوجود” و”فن الحب” وغيرها، وكأننا على موعد.

لم يكن سهلا أن أعرف ذاتي، وأن أعلم نفسي معرفتها. لكن ذلك كان ضروريا بالنسبة لي، لأسباب كثيرة؛ إذ لا يمكن إصلاح الخطأ والألم إلا بهذه الوسيلة. ومعرفة الذات تمنح المرء السلام والانسجام، والقدرة على العمل والحياة بقدر من الرضا يكفي على الأقل لتجنب الألم والانفصام. وأن تكون أنت، يخفف ذلك عنك آلاما وأعباء كثيرة.

شعرت أن آلام الجسد والأحداث المحيطة تمثل إشارة لي للاهتمام بالعبء الفكري والنفسي؛ كأن الآلام والأوجاع تأتي مثل رسالة يجب أن تُقرأ وتُحلل. لقد جعلتني أعيد النظر في كل شيء تقريبا، بل وبدأت أجد في كتب قرأتها وفي أفلام شاهدتها من قبل، معانيَ وأفكارا جديدة لم أكن التفت إليها، وكأنها كتب وأفلام أخرى غير التي قرأتها أو شاهدتها من قبل.

يمارس الإنسان خداعا لذاته، ويجتهد في تحويل هذه الخديعة إلى فكرة راسخة يدافع عنها، ويهرب من مواجهتها. فليس نقص المعرفة هو ما يمنع الإنسان من فهم ذاته، أو القدرة على السؤال، ثم البحث عن الإجابة. لقد كانت حتى المجتمعات التي تصنف بدائية، ولا يقرأ أفرادها ولا يكتبون، قادرة على بناء الأسئلة والمعارف والأفكار مثل الفلاسفة المتعلمين.

وربما يكون صعبا على المرء مواجهة ذاته أو الاستماع إلى نفسه، ولذلك فإنه يكره الوحدة، ولا يحاول أن يفكر في نفسه، ويبحث عن صحبة، أي صحبة، ويشغل نفسه دائما بما يساعده على النسيان والهروب.

بعد أعوام طويلة من الآلام والحوار الطويل والقراءات الكثيرة والتحولات الكبرى في حياتي وأفكاري ومواقفي، عرفت نفسي وعرفت طريقي أيضا. افترضت أن عمري خمس عشرة سنة فقط، وأن السنوات التي مرت بعد ذلك كأنها لم تكن، وبدأت أعلّم وأشكّل نفسي بدءا من تلك اللحظة التي غادرتها في الخامسة عشرة من عمري. تذكرت الأسئلة والأحداث، وافترضت أن ما حدث مما كان يجب ألا يحدث، لم يحدث بالفعل؛ وأن ما كان يجب أن يحدث قد حدث، وإن بدا أنه لم يحدث.. وأشعر اليوم بقدر من الرضا أنني استعدت نفسي.

ربما أكون قد خسرت كثيرا، وألحقت بنفسي أضرارا لا يمكن إصلاحها، لكني أستدرك في ذلك وأعيد المسير والنظر. لم أنجح تماما، ولكني صرت أنا، بما في ذلك من انسجام وسلام وقدرة على الشفاء.. والوجود.

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.