الأعصاب السياسية
قد تكون هناك أسباب سياسية آنية وراء البيان الذي أصدره 25 نائبا الأسبوع الماضي، ويرفضون فيه تصريحات رئيس الوزراء، د. عبدالله النسور، التي وصف فيها الدولة الأردنية بأنها “دولة مدنية لا علمانية ولا دينية”. وهو بيان يلفه الغموض، واستند إلى تعظيم المكانة الدينية للدولة الأردنية، لتبرير رفض فكرة نزع الصفة الدينية عنها. والمفارقة الأخرى أن الموقعين على البيان من خلفيات فكرية متعددة.
من المرجح أن البيان استخدم في سياق اللعبة السياسية المحلية، واللعب على الأعصاب السياسية. لكنه، على كل الأحوال، يشير إلى نمط آخر من أنماط الردة السياسية السائدة هذه الأيام، والتي لا تتردد في الاستخدام الغرائضي للدين.
ومن المؤسف أن دولة دستورية عمرها قارب الوصول إلى قرن، ما تزال نخبها السياسية تتصارع حول هويتها السياسية، وتطرح الأسئلة الأولية حول شكل الدولة ومرجعياتها الفكرية والدستورية التي من المفترض أنها حُسمت منذ القانون الأساسي في النصف الأول من القرن الماضي، ومن خلال سلوك خمسة أجيال من النخب السياسية والثقافية والاقتصادية الأردنية التي أسست هذا الكيان وحافظت عليه، وخاضت معارك متعددة من أجله، ليس من بينها معركة واحدة حول الخلفية الفكرية للدولة الأردنية. التاريخ، وبكل أعصاب باردة ومحايدة، يشير إلى أن تلك النخب دشنت دولة مدنية حافظت على مكانة خاصة للدين الإسلامي في بعده الثقافي، أكثر من الأبعاد السياسية. وفي الممارسة، حافظت الدولة المدنية على حد من الأداء والانتماء الليبراليين، مع حضور أمني قد يطغى على كل الاعتبارات أحيانا.
إن أحد أبرز مظاهر الخطورة فيما نشهده من ردة سياسية واجتماعية وثقافية، أن تصل هذه التحولات إلى قناعات النخب التي طالما حافظت على وقارها السياسي، وطالما اتسمت بأداء وخطاب سياسيين أكثر واقعية. فالاستقطاب السياسي، للأسف، قد يقود إلى أفخاخ خطيرة، تبدو على شكل مواقف ثقافية وفكرية؛ وهي في المحصلة أخطر بكثير من المواقف السياسية.
في الوقت الذي ينمو فيه الصراع وسط صفوف النخب -وهو بالمناسبة ظاهرة صحية قد تعني بداية التغيير- ثمة العديد من الأدوات المتاحة لإعادة التوازن في النخبة السياسية، وتهيئة الدولة لمرحلة محتملة للإصلاح سيكون صراع النخب أحد أهم مظاهرها. لكن المشكلة أن الثقافة السياسية الراهنة لم توفر أطراً مؤسسية لإدارة هذا الصراع، وبالتالي حسمه؛ ما يفقد الصراع معناه السياسي، ويجعله مجرد صراعات فردية من دون تأثير حقيقي في الثقافة السياسية للناس. فقيمة الصراعات داخل النخب أنها تحفر في الثقافة السياسية، وتصبح محطات مضيئة تُحسم فيها المواقف ويُكشف الغموض السياسي، حينما تستند (هذه الصراعات) إلى تعريف واضح للقيم الكبرى للدولة، وتحسم تعريف الولاء السياسي، وتحدد عنوانه بالمصلحة العامة.
إن التماهي مع الحالة السياسية والثقافية السائدة في المنطقة، واستخدام أسوأ ما فيها من عصبيات سياسية، في حالات الاستقطاب السياسي المحلي، هما أسوأ شكل يمكن أن يدار به التنافس والعمل السياسي المحلي، وسيتركان المزيد من التشوه على مشهد فيه ما يكفيه من اختلالات وتشويه.
الغد

