في أزمة المعنى والجدوى!
الشعور بالمعنى والجدوى في الحياة والوجود، ليس ترفا؛ بل هو متطلب ضروري للأفراد والجماعات، ويلحّ بواقعية قاسية لا يمكن مغادرتها. ولا يقل في ضغطه على الإنسان عن غرائز البقاء الأساسية المنشئة للغذاء والدواء والتكاثر والسكن والتعليم. وهو شعور لم يكن خاصا بمجتمعات الوفرة أو الأكثر تقدما، بدليل ما توافر وتراكم لمجتمعات تصنف بدائية، لا تقرأ أو تكتب، ولكنها أنشأت أفكارا ومهارات علمية وثقافية مدهشة ومتقدمة؛ ما يعني بالضرورة أنها شُغلت كثيرا بالأسئلة الكبرى والأساسية التي شُغلت بها العلوم والفلسفات في المجتمعات والحضارات المتقدمة. وببساطة، فلا يمكن تشكل رغبة في الحياة وتنظيمات اجتماعية وقانونية، من غير الدافع والمحرك الأساس في البحث عن المعنى والجدوى. وربما يساعدنا هذا المدخل في التفكير والبحث، على الشفاء والسلام النفسي والاجتماعي، وفهم ظاهرة العنف والتطرف التي تعصف بمجتمعات وإقليم الشرق بخاصة؛ أي العجز عن توفير بيئة اجتماعية ثقافية تمنح الناس السلام والرضا.
يُفترض أن يتشكل معنى الوجود وجدواه تلقائيا. ويجب ألا يمثل ذلك أزمة إلا لفئتين قليلتين في المجتمعات. الأولى، هي الرواد والأكثر ذكاء وإدراكا. وهم بقلقهم يمنحون الأفراد والمجتمعات آفاقا جديدة للتطوير والمراجعة. أما الفئة الأخرى، فتضم الذين يعجزون عن الاندماج في المنظومة الاجتماعية والثقافية؛ بسبب نقص اجتماعي، أو لتجارب خاصة تنفرهم من المجتمع، أو لأسباب خاصة تكوينية تجعلهم يميلون الى العزلة، أو تقلل قدرتهم ومهاراتهم النفسية والاجتماعية.
لكن تلقائية تشكل معنى الوجود وجدواه تنشأ في مجتمعات ومدن حقيقية، تشكلت حول موارد وأسواق حقيقية. وفي ذلك ينشئ الناس علاقاتهم ومؤسساتهم، ويديرون وينظمون مواردهم. وتنشأ الأزمة بطبيعة الحال عندما تنفصل حياة الناس وعلاقاتهم وتشكلاتهم الاجتماعية عن المدن والأمكنة، والمصالح والموارد. وهي في الواقع أكثر من أزمة، إذ إنها متوالية من الفشل والشرور. فتعجز المدن عن إقامة وإدارة وتنظيم مؤسساتها الأساسية وقياداتها الاجتماعية، وتتحول الخدمات الأساسية (التعليم والثقافة والرياضة والفنون، والحدائق والمكتبات، والتضامن الاجتماعي والعلاقات) إلى سلع يوردها مقاولون. كما أن الانتخابات البلدية والنقابية تعجز عن تقديم قيادات اجتماعية حقيقية، ولا تعود تعكس جدلا بين البرامج والأفكار لتطوير الخدمات والاعمال.. ثم تكون الطامة عندما يتحول وعي الوجود ووعي الذات إلى خدمات وأفكار وحلول منفصلة عن هذ الجدل.
يتحول سؤال الجدوى والمعنى إلى جحيم أو كابوس؛ معركة خاسرة، فلا يعود له مجال. إذ حين تطرحه يعني أنك تعلن الحرب على كيانات ومصالح، وواقع ناشئ عن غياب السؤال، لأنه في الحقيقة يعني إعادة تفكيك العلاقات والمصالح الناشئة والقائمة بسبب غيابه، والتي حولت التجمعات السكانية إلى ممتلكات، ولم تعد كيانا حيا ينمو حسب قواعد النمو الطبيعية. لم يعد أحد يريد هذا السؤال، فيتحول أصحابه إلى ممتلكات أيضا، إنما يجب التخلص منها.
ولكن لا تخف! كلما سألت نفسك عن المعنى والجدوى خذ قليلا من ذلك الدواء.. الكثير من الحسنات والثواب. أما إذا لم تكن متدينا، ثمة دواء/ وهم آخر يفيدك؛ المقاومة ومكافحة التطبيع!
الغد

