دور الإعلام والحكومات في تضليل الشعب ؟
في لقاء جلالة الملك عبد الله الثاني مع عدد من رؤساء تحرير الصحف المحلية يوم الأحد 25 / 1 / 2015 تحدث خلاله عن محاور خارجية وداخلية هامة . وإن كنت أتفق مع الكثير من طروحات جلالته ، إلا أنني أرغب بالحديث عن محور واحد مما ورد في حديثه ألا وهو : ” دور وسائل الإعلام في إيضاح الحقيقة أمام المواطنين والقيام بدور إيجابي خدمة للقضايا الوطنية . “
فالإعلام كما هو معروف أداة بيد السياسة وهو القادر على التأثير في عقول الناس ، وتوجيه الرأي العام نحو الأهداف الوطنية وتنوير الشعب بمصالحه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية . كما يُفترض به من جانب آخر أن يتصدى للغزو الفكري الخارجي ، وتولي إرشاد المواطنين لعدم الانجراف وراء شعارات وأجندات مشبوهة وأفكار متطرفة .
وإذا امتلك الإعلام مقوماته الأساسية وقام بمهمته الأساسية في توجيه الرأي العام ، فإنه سيجسد رسالته النبيلة ويشكل قوة فاعلة في بناء ونهوض المجتمع . ولكن إذا فشل في أداء دوره وتحقيق رسالته ، فإن ذلك سينعكس بآثار سلبية على الوطن ، ويدفع الناس للإعراض عنه والبحث عن مصادر إعلامية بديلة تلبي تطلعاته .
وفي مجتمعاتنا العربية لم يعد الدين قادرا على زرع بذور الخير في أشخاص غرقت نفوسهم بالشر سواء كانوا من بسطاء الناس أو من المثقفين. ولهذا نلاحظ أن الدين لم يمنع اولئك الأشخاص من السرقة والقتل واستخدام المتفجرات للقتل الجماعي والتدمير وتأجيج الصراعات الطائفية .
لقد عرف هتلر أهمية الإعلام كسلاح مؤثر في توجيه الرأي العام نحو الأهداف التي كان يبتغيها . فعندما أراد أن يغزو العالم فكر في كيفية حشد الشعب الألماني للوقوف ورائه في حربه المقبلة . فسأل وزير إعلامه جوزيف جوبلز قائلا : ” أريد أن أغزو العالم وسيكون هناك أعدادا كبيرة من القتلي من أبناء الشعب الألماني ، فكيف يمكن أن يساندني هذا الشعب في حربي القادمة ؟ فأجاب جوبلز : ” أعطني إعلاما بلا ضمير أعطيك شعبا بلا وعي ” . وهكذا أطلق هتلر يدي جوبلز في وضع سياسة إعلامية تحقق هدفه . فقام الأخير بتنحية جميع الإعلاميين الشرفاء ، واستبدلهم بإعلاميين مفوهين ولكن بلا ضمير .
ارتكز جوبلز في استراتيجيته الإعلامية لتضليل الشعب على شعارين الأول : ” اكذب . . ثم اكذب . . حتى يصدقك الشعب ” . والثاني : ” إذا أردت السيطرة على الناس اخبرهم بأنهم معرضون للخطر ، وحذّرهم بأن أمنهم مهدد ، ثم شكّك في وطنية معارضيك”. ومن خلال هذه السياسة تمكن جوبلز من إقناع الشعب الألماني بأنه ينتمي إلى العرق الآري المتفوق على جميع السلالات البشرية ، لكي يغرس النعرة العنصرية في نفسيات أفراده وحشد الناس من حولها .
نجح جوبلز في سياسته وتلاعب بالمعلومات والحقائق مما جعله يشكل رأيا عاما مساندا للفكر النازي الذي سعى هتلر من خلاله للسيطرة على العالم وإقامة دولة المانيا العظمى . ومن ثم قام لأول مرة بوضع قواعد الحرب النفسية ضد أعدائه ، ليتمكن من هزيمتهم نفسيا قبل هزيمتهم عسكريا . وبعد أكثر من نصف قرن اتبع الأمريكان نفس الأسلوب في تضليل الشعب الأمريكي ، وإقناعه من خلال حملة إعلامية ونفسية مؤثرة بمساندته في شن الحرب على العراق .
ولتنفيذ خطة تضليل الشعب ، تلجأ الحكومة – أي حكومة – عادة لاستخدام وسائل الإعلام من خلال أربعة أساليب منفردة أو مجتمعة وهي كالتالي :
1. التخويف . تصنع الحكومة حالة من الخوف والقلق لدى الناس ، وتشعرهم بصورة دائمة بوجود مؤامرات تّدبر ضدهم ، وأن أمنهم معرض للخطر ، وأن ما تقوم به من إجراءات هي لمصلحتهم . ومع تكرار هذا الأسلوب وربطه بحادث إرهابي سابق ، أو بكارثة أو حادثة كبيرة ، يتشكل لديهم استعدادا تاما للتنازل عن جزء كبير من حريتهم في المشاركة باتخاذ القرار . فتفكير الناس وقت الخطر يصاب بالشلل ويضعون حاجتهم للأمن فوق كل اعتبار .
ومن الأمثلة على ذلك ، أن هتلر أقنع الشعب الألماني بأنه لو لم يهاجم شعوب أوروبا لكانت شعوب أوروبا هي المبادرة بالهجوم عليه . وبنفس الأسلوب اقنع بوش الشعب الأمريكي بأن صدام يدعم الإرهاب ، ولديه أسلحة دمار شامل تشكل خطرا على أمريكا وبقية دول العالم ولابد من نزعها بالقوة .
والأردن لم يشذّ عن هذه الحالة، فقد بشّرنا دولة رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور عند توليه رئاسة الحكومة بمقولته الشهيرة: “إما رفع الأسعار أو انهيار الدينار”. قبل المواطنونتحذيراته واستجابوا لقراراته خوفا على أمنهم الاقتصادي من الانهيار . وقبل شهرين حذّر دولته أيضا أعضاء البرلمان ، بأنه في حالة عدم موافقتهم على اتفاقية الغاز مع إسرائيل ، فإن البديل في جعبته هو زيادة الضرائب ورفع أسعار الكهرباء على المواطنين ، زاعما – بغير الحقيقة – بأن هذا الرفع لن يطال فاتورة الفقراء . وعندما يطالب الناس بإصلاح إدارة الدولة، يرفع في وجههم كرته الأحمر مذكرا بفزّاعة “الأمن والأمان” وتخويفهم بما يجري في دول الجوار.
2. اشغال انتباه الناس في قضايا جانبية . تحاول الحكومة في حالات الأزمات خلق نشاطات ثانوية من خلال وسائل الإعلام ، للفت الانتباه إليها وتحويا أنظار الشعب بعيدا عن القضايا الهامة . وعليه فقد كرست الحكومة الأردنية التلفزيون والإذاعات الرسمية والخاصة والصحافة المكتوبة لنشر أخبار منزوعة الدسم ، وإجراء حوارات ساذجة ، وأغاني هابطة مقرونة بأهازيج تقود المستمع للعيش ذهنيا في جوّ المعركة . وهذا الحال يدفع المواطن للبحث عن وسائل إعلام أجنبية تتصف بالمصداقية ، ليعرف منها حقيقة ما يجري في بلده ، وإثراء معلوماته بما يدور على الساحة العالمية .
3. الإنكار والتأجيل . عندما تتعرض الحكومة للهجوم أو الانتقاد في إجراء أو حادث معين فالإنكار هو الحل . حيث يلجأ المسؤولون إلى الإعلام الرسمي لإنكار صحة الخبر حتى لو كانت المعلومة واضحة للمراقبين ، طالما أن المواطنين لا يملكون الدليل القاطع . وإذا جاء
الدليل على وقوع الحادث ، فإن الحكومة تؤجل الاعتراف به تحت ذريعة التحقق من المعلومة ، أو تقدم إجابات بعيدة عن جوهر الموضوع ، في محاولة لصرف الأنظار عن الحقيقة .
وأوضح مثال على ذلك ما يردده المسؤولون : بأن بلدنا بخير ولا مبرر للشكوى ، متناسين المديونية العالية ، وتردي مستوى التعليم ، وزيادة الفقر والبطالة ، وغلاء الأسعار ، والترهل الإداري في مؤسسات الدولة ، والعنف المجتمعي ، وانتشار المخدرات وغيرها كثير . ومع هذا يؤكد المسؤولين في أحاديثهم وتصريحاتهم ، بأن خطط التطوير لمعالجة السلبيات تم تصميمها بإحكام وستقودنا إلى مستقبل واعد . . !
أما تأجيل الإعلان عن الحقائق فينطبق في واحدة منها على قضايا الفساد التي تنكشف أمام الشعب فيجري علاجها في طريق طويل ، بدأ من رئاسة الحكومة إلى دائرة مكافحة الفساد وإلى مجلس النواب وإلى لجان فرعية ثم إلى القضاء لتأخذ جلسات عديدة بقصد التأجيل وطمس القضايا فالزمن كفيل بالنسيان .
4. تكرار الأكاذيب . عندما تفشل كل الأساليب السابقة في إقناع الشعب بمصداقية الحكومة ، فقد تلجأ إلى الأسلوب الرابع وهو ” تكرار الأكاذيب ” دون تردد أو ملل ، لدفع الناس إلى تصديق روايتها لكونها الجهة الرسمية التي تمتلك ناصية الحقيقة . وفي بعض الحالات قد تضفي الحكومة طابع السرية على الحادث من خلال منع التطرق له ، أو فرض طوق حول مكان الحادث ومنع الوصول إليه أو تصويره لإخفاء الحقيقة . وأقرب مثال على ذلك هو ما صدر من تصريحات رسمية متضاربة من قبل بعض المسؤولين حول ما سمي بكنز هرقل في منطقة عجلون قبل بضعة أشهر .
يتضح مما تقدم بأن الإعلام يحتل مكانة هامة ومميزة في عالم اليوم ، لما له من تأثير على عقول وسلوك الناس أفرادا وجماعات وتحوّل إلى سلاح بيد الحكومة . فإن أحسنت توظيفه في توجيه الشعب إلى أهداف نبيلة فإنه سيخدم المصالح الوطنية العليا. أما إذا أساءت توظيفه فإن نتائجه ستكون سالبة وتقود الدولة إلى نهايات مدمّرة .
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في ختام هذه المقالة هو : هل ستتجاوب وسائل الإعلام المختلفة في هذا البلد مع توجيهات جلالة الملك ، في إيضاح الحقيقة أمام المواطنين والقيام بدور إيجابي خدمة للقضايا الوطنية ؟ أم ستبقى سلاحا بيد الحكومة تشهره في كل مناسبة ، لإخفاء الحقائق وتسويق القرارات الخاطئة ، تضليلا للشعب وإضرارا بمصالحه الاستراتيجية ؟

