عجايز ‘الوحدة’!
يطلق مصطلح “الوحدة” أو “المدالات” في الرمثا وما جاورها على بيت العزاء – بعيد عن القارئين والسامعين جميعاً- كما يطلق مصطلح “عجايز الوحدة” على مجموعة العجائز اللاتي يرابطن في بيت المتوفي طيلة مدّة العزاء ويتّسمن بكثرة الكلام ومسك الشلّ والهمز واللمز ومسك اليد والعضّ على البراطم وهزّ الرأس و الدقّ على الصدر وإخراج السالف من تحت الشنبر وغيرها من الحركات الاستهجانية..لذا يطلق وصف : مثل “عجايز الوحدة” على كل من جلسوا وتكلموا بصوت منخفض وأطالوا في الكلام وهمزوا ولمزوا دون انقطاع أو توقف ..
كما أن واحدة من أهم صفات “عجايز الوحدة” هو تقلّب المزاج..يعني أثناء اندماج بعضهن في الشكوى من “الكناين”..أو قول إحدى الحجات “اشتهيت بنت نوفة تسويلي صحن خبيزة وتجيبه” تجد أحدهن قد انفلتت بالبكاء بصوت مرتفع والشروع في النواح بعد ان تذكّرت المرحوم فجأة…فيصمتن جميعاً ويحاولن التخفيف عليها بــكلمات”التكسير” والقضاء والقدر..لتجدها بعد دقائق هي نفسها من انفلتت بالبكاء والنواح تتكلم عن “العكّوب حوس “! ..
في إحدى العزاءات- بعيد من هون- حضرت إحدى العجايز مندفعة من بوابة البيت وهي تردّد ” يا حوينتك يابو قاسم”..”يا ويلي عليتش يا صبحااا”…”يا حسرتي اللي بقلبي”…وبدأت بالبكاء قبل ان تدخل الغرفة الخاصة بالنساء..ثم انحنت على مجموعة من السيدات اليافعات وقبّلتهن بعنف وقبّلت رؤوسهن..وهي تقول: “يا حوينتك يابو قاسم”..”يا حوينة عمرك”..ثم أقدّمت على سيّدة وقورة في صدر البيت ورمت رأسها على كتفها وهي تبكي بشدة وبصوت لافت :” ترمّلتِ يا شينة يا صبحاااااااا”…وبدأت الحاضرات بتهدئتها…”وحّدي الله يا مرة…قولي لا اله الا الله..هيك بتحرقيه بدموعك يا مستورة”..الخ من كلمات التخفيف…وبعد أن أخذت مكانها..قالت لها احد اللاتي كنّ في جوارها: مالك ما سلمتيش ع بناته؟..قالت وهي تمسح دموعها بطرف الثوب: لعاد مين اللي “حبّبتهن واني فايته” ردّت أخرى: بنات جيرانه…واللي “مطّقتيها” مش صبحا هاي سلفتها ..صبحا فاتت تتوضا..
وبعد ان عادت السلام من جديد وأعادت مقطع “ترملتِ يا شينة يا صبحااااااا” لأرملة المتوفى فور عودتها من الوضوء، بقيت تذرف الدموع أكثر من المتوقّع..الأمر الذي استفز شقيقة المرحوم الكبرى فاقتربت منها وهمست قائلة: “هالقد ابو قاسم غالي عليكِ يا غبصة ..اذا بناته قاعدات بهمسن هريسة ع السكت..وانت بتبكي”…فاقتربت العجوز المندفعة وقالت لأخت المرحوم …
“ولتش أني ببكيش على ابو قاسم…اني ببكي ع حالتي “اللي ما معيش 10 قروش أروح بالباص”!.
بس بقول..غطيني يا كرمة العلي.
سواليف

