كل هذا والثلجة لم تأت بعد !.
اعلن النسور تعطيل المؤسسات يوم الأربعاء للوقاية من المنخفض الجوي ” المتوقع “. الجامعات توالت في اعلان الأربعاء يوم عطلة. المسؤولون في الدولة والحكومة يطلون على الناس منذ عدة ايام وهم يعلنون عن استعدادتهم لمواجهة ( المنخفض المتوقع ) . كل يوم بطلع نفس الوزير ونفس المدير ونفس المسؤول ليشرح ويشرح الاستعدادات لمواجهة الثلجة ” المقبلة ” .
الناس (اصابها الهلع ) الازدحامات المرورية تتضاعف كل يوم ، العمانيون ينتقلون من طرف المدينة الى أطراف اخرى بحثا عن خبز وتموين وغاز ، واستغل التجار والمولات والمؤسسات هذا الكرنفال الثلجي للإعلان من نفس الفضائيات بان المواد الغذائية متوفرة ، كلمات مثل ( استعدادات. ، جاهزية ، متابعات ، غرفة عمليات ، كاسحات ) تتكرر على مدى الايام السابقة ووسط هذه الحملات والتصريحات يتم إصدار تحذيرات للمواطنين ،( لا تطلعوا بالثلجة ، لا تروحوا ، لا تيجوا ديروا بالكم ) .
كل هذا كان والثلجة لم تأت بعد ، فكيف ان بدأت ! أيها الأردنيون استعدوا لجولات إعلامية اخرى بتصريحات تلفزيونية مكررة من نفس المسؤولين حتى السبت المقبل . وأقول الم يكن من الممكن العمل بصمت والاكتفاء ببيان واحد يشتمل إرشادات وأرقام هواتف تتكرر في شريط اخباري فالأردنيون شعب متعلم ويفترض انه يقرأ ويفهم بلغة مختصرة لذلك هو مستخدم جيد للإنترنت .
زمان لا كان فيه تلفزيون ولا ( زحمة مسؤولين ) كانت البلد تتعرض لمنخفظات جوية ضربت بثلوجها الأمثال لانها كانت تغلق الأبواب المخلوعة على أصحابها الذين ما ان يطلع الصباح حتى يباشرون بإزاحة الثلوج وفتح الممرات . والأردني يحب الثلجات ، فبها تؤرخ الأحداث الاجتماعية والسياسية ، وحتى الولادات ومنهم من سمى الأبناء بـ ( ثلجي ) والبنات بـ ( ثلجه ) لحدوث الولادة بالثلجة ، وهذا كله كان قبل ان تُعرف البنى التحتية والمجاري والسدود والتدفئة ومدافئ الغاز والكهرباء .
اذكر في طفولتي ان الثلجة باغتت البلاد في منتصف النهار وانقطعت الباصات التي تحمل الموظفين والطلاب العائدين من عمان الى صويلح والسلط بسبب إغلاق الثلوج للطريق ، ويشهد من هم من جيلي ان صويلح فوجئت بالملك حسين رحمه الله يدخل البلدة بجيب عسكري يقوده وخلفة شاحنات عسكرية وجنود قاموا بفتح الطريق وعاد الموظفون الى بيوتهم .
مُحزن ما شاهدناه من ازدحامات على كل مادة غذائية من الخبز الى الغاز ، وهذا دليل على ان كل الحملات والتصريحات الإعلامية لم تخلق الا الخوف والهلع الذي امتد الى الطرقات ، حيث شهدت عمان اختناقات مرورية شاملة وغير مسبوقة ، وكأن الناس تستعد للوقاية من وحش قادم وليس من أمطار وثلوج خير يدعو الناس لحدوثها في صلواتهم .
ولو ان المواطنين صدقوا كل ما انهال على رؤوسهم من التصريحات الإعلامية من المسؤولين المعنيين عن ( جاهزيتهم وقدرتهم على فتح الطرقات بسرعة وان كل شئ سيكون في متناول المواطن ) لما حدث هذا الاستنفار الهائل بين الناس وتزاحمهم في الاسواق و المولات والطرقات وكأننا في ايام حشر ، اذ ترى الرجل يأخذ من الخبز والسلع ما يكفي أسرته شهرا فيما نحن بمواجهة ثلجة وتجمد لا يزيد عن ٤ او ٥ ايام كما تقول الأرصاد !!.
نسأل الله ان تأتي الثلجة المتوقعة مصحوبة بأمطار الخير ، وان تأتي ثلجات اخرى كما في بعض سنوات مضت ، وان لا ينسانا الكريم بنعمه وأمطاره الوفيرة ( بلكي ) صرنا مثل الصينيين الذين شاهدهم العالم هذا الأسبوع وهم يقيمون معرضا من مجسمات إنسانية وحيوانية من الثلوج يتقاطر الناس في درجات حرارة تحت الصفر لمشاهدتها .
واخيرا أقول ان معظم من تناوبوا على وسائل الاعلام في الحديث عن استعدادات مؤسساتهم ليسوا هم من سيكونون في ميدان مواجهة المنخفض، من سيواجهه هم الأشخاص العاملين بصمت بعيدا عن الأضواء ، في البرد القارص من اجل فتح طريق لمريض او إيصال امرأة حامل الى مستشفى او إنقاذ ناس انقطعت بهم الطرق او أصيبت بيوتهم بأضرار ، لهؤلاء العاملين بعيدا عن الأضواء جميعا التحية وبهم يعتز يفتخر الوطن . ونأمل ان تلاحقهم كاميرات الاعلام في الأحياء وفي الشوارع لتصور أفعالهم العظيمة والكبيرة وهذا اقل ما يقدم لهم ، ان يعرف الوطن والمواطن جهودهم وسهرهم وعملهم وتفانيهم . فلهم يجب ان تنحني الهامات وكل ثلجة وأنتم بخير والأردن والأردنيون بمزيد من النعم السماوية .

