التفكير الذي يصنع الفشل
التفكير عمل بحد ذاته، وهو أيضاً الطريق السليم إلى العمل السليم، وفي حال كان العمل تخريبا أو حروبا فهذا يعني حتما فشل ذريع في التفكير كما يقول شتاينبك.. وبما أننا نعيش عصر متوالية الحروب الجامحة، فالمعاناة الكبرى نمارسها في إنتاج تفكيرات ومفكرات فاشلة.
والتفكير بوصفه مرافعة الإنسان أمام حاضره للدفاع عن مستقبله، وبوصفه احتجاج على الذهاب للمجهول، فهو شكل من أرقى أشكال تأكيد الوجود، فأي عقل هذا الذي يستطيع أن يفكر دوما في هلاكه، عبر إنتاج كل هذا الهلاك والموت والخراب وعلى أقل تقدير الفشل المستمر..؟
مفتتح عام للحديث عن الخاص المليء بالفشل، فقد ( منَّ الله علينا في هذا البلد بثلاث: حرية التفكير، وحرية التعبير والمقدرة على عدم تطبيق أي منهما )، ومع أنني لم أخترع هذه المقولة، وإنما مارك توين، إلا أن الحظ السيئ ربما أوقعني على العبارة بحذافيرها، لأن مثل هاتين الحريتين والتداول الواسع لهما على المستوى النظري العميق والعملي الضحل، بقيتا حبراً على ورق، بالنظر إلى مخرجاتهما وقدرتهما على إحداث فارق حقيقي في الحياة العامة.
لقد شبعنا وملأنا كل جيوبنا حرية تعبير، ومارسنا حرية التفكير بكل ما أوتينا من استعدادات عقلية ، وما زلنا اقتصادياً محلك سر، لأن التفكير أفضى بنا إلى الخصخصة منذ أواخر العام 1996، كخطوة من خطوات إصلاح هياكل المؤسسات وفاعلياتها، وقدرتها على الإنتاج، ووقف النزف في المال العام الذي كان يذهب لسد خسائر وعجوزات وكفالة قروض مشروعات المؤسسات، حتى أصبحت هذه المشروعات مصدر إيرادات لخزينة الدولة.. هل تحقق هذا بالفعل..؟
لسنا نشك، وإنما نحن متأكدون أننا مصابون بوهم كبير في التفكير، فما تفتق عنه عقل الدولة لم ينجح في إقناعنا بجدوى الخصخصة، والدليل أن قطاعات حيوية مثل الكهرباء والماء والتعدين وغيرها لم تسد عجزاً، بل أصابت جيوبنا بالعجز أكثر.
عموماً.. لا يستطيع الكتاب أن يكتبوا بالسرعة التي تصنع فيها الحكومات ( الفشل )، فالكتابة تحتاج إلى بعض التفكير، كما يقول بريشت صاحب مسرحية ( أوبرا الثلاثة قروش ).. التي جسد فيها مبدأ ( في البداية الطعام.. ثم الأخلاق ).
هل على الحكومة أن تكف عن التفكير مثلاً..؟

