الاصلاح الاقتصادي في خطاب العرش
صحيح أن التحديات الخارجية شكلت الجزء الاكبر من خطاب العرش السامي، وهذا أمر طبيعي، نظرا للأولويات التي تشكلت وجعلت البعد الأمني أولوية السياسة العليا للدولة، فالأمن والاستقرار ومحاربة الارهاب الاساس في السياسة الاردنية الحالية، وتسبق اي شيء آخر، ومع ذلك فإن الملك بعث برسالة اصلاحية اقتصادية للحكومة، تحمل في طياتها توجيهات في غاية الاهمية.
الملك دعا السلطتين، التنفيذية والتشريعية، الى المشاركة الفعلية في وضع التصورات القانونية والاجرائية للنهوض بالواقع الاقتصادي، ومواجهة التحديات الراهنة، التي تفرضها ظروف اقليمية ودولية، تشكل بحد ذاتها تحديا امام مسيرة الاصلاح التنموي في المملكة.
خطاب العرش وجه الحكومة لإعادة التركيز على اولوية مكافحة الفقر والبطالة اللتان طالتا جيوبا عديدة في المجتمع، وتعتبران نقطتا ضعف في الجهود الرسمية الاقتصادية، إذ باءت معظم خطط الحكومة في معالجة هاتين القضيتين بالفشل، بعد أن تضاعفت جيوب الفقر في المملكة ووصل عددها إلى اكثر من 36 جيبا، ناهيك عن عشرات الالاف من الخريجين الجامعيين الذين يتجاوز عددهم 88 الفا من مختلف الجامعات والكليات، لا يجدون فرص عمل لدى القطاعين اللذان يعانيان، هما الاخران، من مشاكل تضخمية كبيرة اعاقت نموهما.
الملك وجه رسالة للحكومة في مسألة المشاريع الكبرى، والمقصود في هذا الامر هو تعزيز الشفافية والنزاهة بتنفيذ هذه المشاريع، لتكون بالاساس مستندة الى ميثاق النزاهة وتقييم لجنة التخاصية، التي شكلت توصياتها اساسا في اصلاح الكثير من السياسات والاجراءات الاقتصادية الحكومية.
وخطاب العرش دعا صراحة كل من اعضاء مجلس النواب والحكومة الى الخروج من مأزق قانون الضريبة، الذي تعطل إقراره في الدورة الاستثنائية الماضية والذي ما تزال تداعياته تلقي بظلالها على مستقبل الاصلاح المالي في الموازنة، وقد يشكل منعطفا سلبيا مع المانحين والمؤسسات الدولية، في حال عدم إقراه أو تأخره.
وها هو الملك من جديد يحيي مشروع الحكومة الالكترونية، الذي كان الاردن سباقا إليه وصاحب الريادة في المنطقة، وقد استنسخ النموذج الاردني لدى العديد من دول المنطقة وسبقت المملكة في ذلك، وهذا كله نتيجة تقاعس الحكومات في استكمال منظومة مشروع الحكومة الالكترونية.
التوجيهات الاقتصادية الملكية للسلطتين التنفيذية والتشريعية فيها إصرار واضح من الملك على المضي قدما في مسألة المعالجات المختلفة للنهوض الاقتصادي وتحفيز قطاعات الاقتصاد المختلفة، التي تعاني اليوم من تحديات جمة، تتطلب تفهما حكوميا ونيابيا، وبالتالي ترجمة هذه التوجهات الى سياسات واجراءات على ارض الواقع، تقترب اكثر فاكثر نحو اخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة.

