معلم ابتدائي..!
من الشخصيات التي لم أنسها أبداً وأكنّ لها مشاعر تشبه الإجلال، أساتذتي في الصفوف الابتدائية. أتذكر أسماءهم وهيئاتهم، وأتذكر من الذي علّمني هذه القصيدة أو تلك المعلومة التي ما تزال جزءاً من وعيي. وبشكل خاص، أتذكر معلمي في الأول الابتدائي، الذي عرّفني إلى ألف باء اللغة. أتذكر نبرة صوته وشبابه المورق، وما أزال أتصوره أكثر الناس معرفة. ربما كان ذلك انطباعاً منقولاً كما هو عن تصور طفل يتعلم الأبجدية، لكن السلاسة التي أقام بها العلاقة بيننا وبين القراءة، وكيف أصبحنا –أقراني وأنا- نقرأ النصوص بيسر في سنة واحدة، تشهد لصحة الانطباع. ولست وحدي. ثمة أفكار إيجابية مشابهة لدى أبناء جيلي عندما نستذكر سنواتنا الأولى تلك، بحنين.
لكن ذلك اختلف، كما يبدو، واختلف معه كل شيء! لم تعد لمعلمي الصفوف الأساسية تلك الهالة المستحقة القديمة. أصبحت وظيفة معلم/ معلمة ابتدائي اليوم من الأقل مدعاة للافتخار. علامَ يبتهج هؤلاء المعلمون، وهم قليلو الدخل، ضئيلو الفرصة، لا حظّ لهم فيما يجنيه معلمو الثانوي من الدروس الخصوصية وتدليل الأهالي، والأفضلية الاعتبارية النسبية؟ يوظفون معلمي الابتدائي وكأنهم يتفضلون عليهم بعمل لا لزوم له. ويقدرون جهدهم براتب يقل في أحيانٍ كثيرة عن الحدّ الأدنى للأجور، فيقبلون. ويوحون لهم بأن عملهم يتطلب أقل تأهيل، فيكادون يصدقون!
هذا الواقع يتناقض مع كل الخطابة المتحمسة عن أزمة التعليم وإصلاحه. إذا كانوا يتعقبون تدني مستوى التعليم إلى المرحلة الأساسية، فإن المنطق يقتضي الذهاب بالضبط إلى هناك لاستعادة جودة التعليم وقيمته. وإذا كانت مقولة أحد أساتذتي “ليس هناك طالب سيئ، وإنما هناك معلم سيئ” صحيحة –وأظنها كذلك- فإن العملية تبدأ عند معلم الابتدائي بالتحديد. سوف يكون هو العامل الحاسم في تطبيق الفلسفة التعليمية التي ينبغي أن تكون معنية بفتح العقل، وإيصال محتوى مناهج ينبغي أن تجسد هذه الفلسفة.
سوف يعني ذلك جعل التعليم الابتدائي مهنة جاذبة للكفاءات، من حيث الدخل والقيمة الاعتبارية على حد سواء. ويتطلب ذلك تصميم برامج جامعية أو مؤسسيّة لهذه الغاية، تهدف إلى تأهيل قطاع متميز من المعلمين المتخصصين البارعين. يجب تذكر أن تعليم الراشدين المؤسسين جيداً هو مهمة أسهل من نقش العلم في العقل البكر بحيث يصعب محو تلك النقوش، جميلة كانت أم بائسة. ويقتضي ذلك أن لا أن تقل جودة وقيمة معلم الابتدائي عن الأستاذ الجامعي في نهاية المطاف.
النوعية الجيدة من التعليم الابتدائي، كما نتذكرها، كانت تنتج خريج ابتدائية بسوية طلبة الثانوية هذه الأيام، وربما أكثر. كان خريج “المترك” القديم مؤهلاً للانتقال مباشرة إلى معلم جيد. وهكذا دارت الدورة التعليمية جيداً حتى اختلت أخيراً بطريقة غريبة. وتبين أن ذلك التعليم القديم الذي يصفه البعض بأنه “تقليدي”، أكثر تقدمية من كل هذا “التعليم الحديث” بالكيفية التي هو عليها. وإذا كانت الأشياء تقاس بنتاجاتها، فإننا لا نرى في أجيالنا الصاعدة عقلاً نقدياً تحليلياً، ولا نوعية ابتكارية منفتحة على التجريب والتفكير العلمي. ويبدأ الحصاد السيئ من ضعف الإنتاجية الاقتصادية والمعرفية، ولا ينتهي بالأنماط السلوكية المعيبة والتطرفية العقائدية، والانغلاق ومعاداة الديمقراطية ورفض الآخر.
في التحصيل الأخير، يبقى معلم الابتدائي، والتلاميذ الصغار، والكبار وخريجو الجامعات فالمجتمع كله، ضحية للسياسات وكيفياتها. إنها إما تكون سياسات تجهيلية تعرّفها مخرجاتها كما هي، أو سياسات معرفة تنير وتستنير. وإذا رغب أحد الاستدراك، فبالبدء من نقطة ما في التعليم –موضوعنا غير المنفصل عن كل شيء. يجب المسارعة إلى مراجعة الأقانيم الثلاثة: تعريف فلسفة التعليم مجدّداً على أساس منهج الاستنطاق والتجريب واختصار المحرمات، مع استبعاد المنغلقين من هذه العملية؛ ووضع مناهج دراسية مبتكرة تنسجم مع هذه الغاية؛ والتخطيط لتخريج معلمي ابتدائي بمواصفات تمكنهم من تطبيق ذلك. وبالتعريف، سيكون هؤلاء المعلمون من الصفوة، مع ما تقتضيه مهمتهم من المكافآت المناسبة والقيمة الاجتماعية المستحقة.
ما تزال مشكلة التعليم الأساسي محل نقاش كثيف ومتعب، حتى في العالم المتقدم، كما يعرف المتابعون. لكننا لا ينبغي أن نعتذر “بالتخلف” و”الأزمة” لإغفال مخاطبة هذه المسألة التي ربما تشكل المبتدأ والخبر فيما نحن فيه.
الغد

