صحيفة الكترونية اردنية شاملة

الإصلاح واقتصاديات تصرفات الحكومات

0

ما الذي تغيّر على مدار سنوات من الدعوات الملكية للحكومات في خطابات التكليف السامي من أجل الإصلاح، وتحقيق التنمية، ما المختلف أيضاً بين هذه الدعوات الملكية الرسمية، العلنية والمُصاغة بفعل أمر، يتطلب الاستجابة الحقيقية له، في ضوء برنامج زمني محدد بعمر الحكومة على أكثر تقدير.. هل قدمت أي حكومة كشف حساب مثلاً عن إنجازاتها واستجاباتها للأوامر الملكية بالتطوير والإصلاح..؟، وأين دور الرقابة البرلمانية إذن..؟
قيل في هذا الشأن الكثير، وكُتب أكثر، وبلع الناس سنوات من الصبر والانتظار، وما زالوا، وليس الهدف من هذه الكتابة إعادة تدوير الأسئلة الاستعراضية، التي لم تنتج إجاباتها بعد.. لكن الهدف، هو فحص الغموض في ( الإصلاح )، والخطر الكامن فيه، بما أنه غير قابل للتحقق..
للإصلاح تهديد خطير على المستوى المؤسسي الرسمي، يكشف – ربما – إخفاقات مؤسسية كنا نظنها منجزات أو مقدرات، وإذا بها، تبدو منتجات وبُنى هيكلية، يتم توظيفها كحوامل إثراء مادي رأسمالي لطبقة دون أخرى، وعلى حساب ما يعرف بـِ (الاقتصاد المؤسسي ) المبني على فهم دور المؤسسات في تشكيل السلوك الاقتصادي الهادف إلى بناء الأفراد والمؤسسات على حدٍ سواء، في إطار قانوني يُشرع ويحمي. ومما يُستدرك هنا أن القانون والاقتصاد صارا موضوعاً مشتركاً ورئيساً منذ نشر جون كومنز كتابه “الأسس القانونية للرأسمالية” في عام 1924.
بصراحة، ما زلنا نعيش حقبة تنظيرات الاقتصاديين التقليديين، الذين روجوا للاقتصاد المجرد المعزول عن الإطار القانوني والظروف المعيشية للأفراد، والأوضاع الاجتماعية للمجتمع، فإذا كان السلوك الاقتصادي معزول عن القانون والقيم والأخلاق والظروف والمعطيات الاجتماعية، فإنه حتماً يكون قادراً على إنتاج معطى جديداً متعلقاً بالسيطرة الاقتصادية أو السلطوية الاقتصادية، المعنية بنفعيتها أكثر من عنايتها بتحقيق أهداف مؤسسية مشتركة.
خطر الإصلاح يعني أن يتحول الإصلاح إلى سلوك اقتصادي ذكي يستطيع أن يتعاطى ودياً مع ظروفه وأحكام مرحلته بمعزل أيضاً عن الاشتراطات القانونية والأخلاقية، إنه إصلاح خطير، يعتاش على كلاسيكيات السلوك الاقتصادي، وجهل المجتمع بتطورات ( المدرسة المؤسسية )، التي نقلت ببؤرة الاهتمام من مجال الأسعار والإنتاج إلى مجال التصرفات وهو مجال عُرف فيما بعد بــِ ( اقتصاديات التصرفات )، ولنا أن ننظر في حجم الأعباء والتكاليف التي أنتجتها تصرفات الحكومات وهي تقيد الوعي الشعبي بهموم وإرهاقات الأسعار.. حتى أصبحنا مجتمعاً محكوما بالأسعار، لا بالفكر الاقتصادي والاستراتيجيات الاقتصادية.. فمن خطر الإصلاح أيضاً.. أن ننادي بالإصلاح بدءاً من الأسعار وليس انتهاءً بمراقبة اقتصاديات تصرفات الحكومات، وهذه الأخيرة التي كلفت خزينة الدولة من الأعباء والأثمان الشيء الكثير، هي الأكثر حاجة وضرورة للإصلاح والضبط والمراقبة والمحاسبة.. لكن، ماذا نصنع، إذا كانت أدواتنا وأجهزتنا الرقابية بحاجة هي أيضاً إلى الإصلاح.
كيف نبدأ ، ومن أين نبدأ، وبأية وسيلة، ولأي سلطة ننحاز لفرض الإصلاح…؟، لطالما كان الإصلاح بهذه الكيفية الأردنية جزءاً من أدوات وتصرفات الحكومات التي يتم توظيفها لبقاء الحال على ما هو عليه، وبما أن الحال هكذا، فإن تلك الأسئلة القصد منها فقط، تظهير جانب من الوعي ما زال مسكوتاً عنه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.