تكنو- فراط
تزدهر هذه الأيام تجارة ثلاثة أشياء :”دبابي” البلاستيك، ودهن القشب “الفازلين” ،وعيادات العيون…
أما “دبابي” البلاستيك تلك الأوعية المدببة ذات الأحجام المختلفة فيتم انتعاش سوقها فجأة في نهاية شهر تشرين أول الى منتصف تشرين ثاني من كل عام لغايات “الرصيع” الوطني، العجيب الغريب أن كل المحلات تتبنى هذه السلعة حتى لو لم تكن ذات اختصاص بما في ذلك الصيدليات ومحلات الملابس الداخلية.
في بداية الموسم أفرح كثيراً عندما أرى “دبّية” معلّقة في واجهة محلّ وكأني شايف “هيفاء وهبي” شخصي، أما نهاية الموسم فأحبط من مشاهدتها ولا أكترث لاستعراضها الممجوج كأي مسؤول غادر منصبه منذ زمن…
**
بالنسبة للفازلين “دهن القشب”..فيتم زيادة الطلب عليه هو الآخر هذه الأيام ، لا سيما من الدكاكين القديمة ذات الرفوف الحديدية والاضاءة الخافتة و”الإشوالات” المندلقة أمام طاولة الحجي…فالفازلين هو “المُطرّي” الوحيد الذي تعرفه الحجّات ليقوم بعملية ترطيب ما بعد الفراط..كل العائلة تجتمع عند المغرب لممارسة التغميس من نفس العبوة ودهن “الشخوط” والجروح في مختلف الأذرع والآباط التي أحدثتها عمليات اشتباك عنيفة مع جذوع الزيتون الحادة والعالية…من خلال نظرة “بانورامية” بعد ان يُغلق غطاء عبوة الفازلين..تجد جميع الوجوه لامعه، والأكواع “مضاءة” و”الصلاليع” أي الجبهات “ترهج” والأيادي “تبرق” بفضل هذه العبوة السحرية ..
**
عيادات العيون هي الأخرى يزدهر شغلها مع “فراط الزيتون”..عندما تشاهد ختيار يعصب عينه اليمنى بشماغه، أو ختيارة تضع مكان العدسة اليمنى “لزقة وشاش”..او متقاعد ستيني يثبت محرمة على عينه الشمال لا تقل لأي منهم: “سلامتك ان شاء الله ما في شي!!”…بل قل له مباشرة :” قديش ساون معك زيت”؟..لأن حضورهم الى العيادة في هذا الوقت المبكر بالذات وبهذه الكثافة أكيد بسبب إصابة عمل…
**
وكوني رجل اعتبر نفسي “تكنو- فراط” من الدرجة الأولى ، فقد ارتديت أول أمس كل ما يمكن ارتداءه في هكذا ظروف استثنائية..بنطلون قديم عريض بــ”كسرات” بلوزة مفروطة من الكتف كان مرسوم عليها أرنب لم يبقِ الزمن من الأرنب المرسوم الا أذنيه ، جرابات صوف مفتوحة الإبهام ،”بوط من غير قاع”، عصبت رأسي بـ”شال ستاتي أزرق”..وأخذت “تنكة سمن” فارغة واتجهت نحو الحاكورة..وقفت عند الشجرة الأولى ، أوراق ضعيفة وكاحته ،عروق ناشفة ،جذوع مكسرة، ولا يوجد حب …غادرتها الى الثانية: عروق ناشفة ، أوراق كاحته،جذوع مكسرة ، ولا يوجد حبّ.. الى الثالثة : جذوع مكسرة، أوراق كاحته،عروق ناشفة، ولا يوجد حبّ…الرابعة الخامسة العاشرة الخامسة عشرة…عدت من حيث أتيت بعد ساعة من “الفراط الفارط” وكلي خجل من نفسي حيث كانت الحصيلة “17” حبة زيتون تلوح في التنكة…
لا أدري لماذا أحسست أني أعامل زيتون الدار كما تعامل الحكومات شعوبها…تتركه يعيش بعلاً، لا اهتمام ،لا رعاية لا عناية،وعندما تحتاجه.. تريد منه كل شيء…
المصيبة عندما تتفقد الحكومة شعبها بالسنة مرة: يا “بتكبسه” يا “بتعصره”!!.
احمد حسن الزعبي
سواليف

