صحيفة الكترونية اردنية شاملة

ما هو أخطر من ‘سايكس-بيكو 2’!

0

يقع الباحثون والسياسيون في خطأ فادح عندما يقرأون صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” إقليمياً، بمعزل عن السياق السياسي العام في المنطقة. فعنف التنظيم وسلوكه ليسا نشازاً، بل هما جزء من العنف البنيوي الراهن الذي يجتاح العديد من الدول والمجتمعات العربية. ومن الضروري أن تتم قراءة هذا الفاعل السياسي الجديد في إطار العنف السلطوي؛ سواء كان ذا طابع طائفي أو استبدادي، وفي إطار الأزمات البنيوية التي تعاني منها الدول العربية، وتخلق مشاعر شعبية جامحة بشأن التهميش والإقصاء وغياب الأفق السلمي والظروف الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة.

من الضروري، كذلك، النظر إلى صعود تنظيم “الدولة” في سياق الفوضى الطاحنة في ليبيا، والفراغ السياسي ونمو الجماعات المرتبطة بالسلفية الجهادية هناك؛ كما في صحراء سيناء، وفي اليمن مع سيطرة الحوثيين على صنعاء، والأزمة البحرينية، وبقية الأزمات الداخلية العربية. فهناك اليوم حالة جديدة متنامية من تفكيك المجتمعات وانهيار السلطة الأخلاقية للدولة، والعودة إلى الأشكال الأولية من التعبير عن الهوية.

فكما استثمرت التنظيمات الإسلامية المسلحة المرتبطة بـ”القاعدة” في الأزمة الطائفية؛ فقط وظفت هي ومعها تنظيم “الدولة الإسلامية”، ما حدث في مصر للتأكيد على عدم جدوى المسار الديمقراطي والسلمي. ففي اليوم التالي لعزل الرئيس محمد مرسي، أصدر زعيم “القاعدة” أيمن الظواهري، خطاباً بعنوان “صنم العجوة الديمقراطي”؛ يؤكد فيه على نجاعة مسار “القاعدة” في مقابل فشل الطريق الديمقراطية السلمية في التغيير.

ولأنّ تنظيم “الدولة الإسلامية” بات يمثّل الصيغة الأكثر راديكالية وفعالية في المنطقة العربية اليوم، فقد عمل هو الآخر على توظيف ما حدث لمواجهة نهج جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية الأخرى، واتهامها بالنكوب عن الهدف الأيديولوجي التاريخي، وهو إقامة الدولة الإسلامية، والتحول نحو الخطاب العلماني والديمقراطي.

مثل هذه المناخات تخلق جاذبية لنموذج “الدولة الإسلامية”، وقابلية لاستنساخه وتطبيقه في العديد من المجتمعات، طالما أنّ المسارات البديلة مغلقة إلى الآن. فليست خطورة هذا التنظيم أنّه اجتاز الحدود وأقام كياناً عابراً لها، ومتوحشاً في سلوكه مع الخصوم؛ بل هي في أنّه أصبح نموذجاً للوعي الشقي السلبي، ولحالة المجتمعات العربية والمسلمة. وهزيمة التنظيم لن تكون عبر حملة عسكرية أو غارات جويّة، بل من خلال اجتراح آفاق سياسية مقنعة لمسارات بديلة، كما حدث عندما وجدت الشعوب والمجتمعات العربية طريقاً سالكاً في الثورات الديمقراطية، قبل أن تجري الرياح في الاتجاه المعاكس لها!

ثمة نسق واحد يفسّر ما يحدث اليوم في منطقتنا، هو سيسيولوجيا العنف. فالفوضى والفراغ السياسي والأمني، والطحن الطائفي، هي الكلمات التي تختزل المشهد في سورية والعراق وليبيا واليمن؛ بينما الانهيارات المجتمعية والأخلاقية، وانتشار المخدرات والعنف والجريمة، وتفشي مشاعر الإحباط واليأس وخيبة الأمل وانعدام الأفق، وضغوط البطالة والفقر والحرمان الاجتماعي، تسكن في نفوس عشرات الملايين من العرب.

إذا لم تكن هنالك آفاق طبيعية للتغيير وصناعة الأمل وبناء الشرعية السياسية من جديد، فإنّ البديل ماثل أمام الجميع، فلا خيار ثالثا: إما التقدم نحو الديمقراطية والتعددية والحرية وصناعة كوة في هذا الجدار للعبور نحو المستقبل، أو الغرق في مستنقع الطائفية والعنف والفوضى، وهو سيناريو يتجاوز المخاوف الحالية من خريطة تقسيم جديدة باسم “سايكس-بيكو 2″؛ فهو مشروع حرب أهلية طاحنة ممتدة.

ربما هذا وذاك يشرح للسياسيين العرب حجم الفرصة التاريخية التي أتاحتها الثورات العربية، لكنّها فُوِّتت بسبب الإصرار على ممانعة التغيير، والحرص على الوضع الراهن الذي لن يخدم في نهاية اليوم مصالح أحد؛ سواء كان حاكماً أو محكوماً!

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.