صحيفة الكترونية اردنية شاملة

لن تصمد الحدود بعد انهيار السدود

0

حين ينهار السد، يصعب على أي قوة أن تقف في وجه طوفان المياه الهادر، أو أن تلجم الفيضان. هذا ما يحصل في المشرق العربي؛ لقد انهارت السدود، ولم يعد بوسع الحدود أن تصمد في وجه فائض الفوضى والعنف المتدفق من كل الاتجاهات.

تُسابق الدول الزمن لصد الفيضان خارج حدودها؛ تبني الحواجز في أراضي الآخرين، وترصف آلاف الجنود وأرتال الدبابات على الحدود لدرء الفيضان. لكن، إلى متى تصمد كل هذه الدعامات؟

الفيضانات تتحول إلى “تسونامي” مرعب، يقتلع كل ما يقف في وجهه؛ يمحو الحدود، ويغير تضاريس الطبيعة والخرائط.

على كل جبهة وحدّ يُسمع هدير المياه، ينبئ بقرب وصول الفيضان؛ فيضان الفوضى والموت المتوحش.

حدود العراق مع سورية تلاشت تقريبا منذ زمن، وحدود تركيا مفتوحة في الاتجاهين، ومع قرب سقوط عين العرب “كوباني” يكون “تسونامي” قد ضربها بالفعل؛ فعلى وقع معارك “كوباني” سقط عشرات الأكراد بين قتيل وجريح في المدن التركية. مثلها الحدود السورية مع لبنان؛ ساحة معركة منذ أشهر، استوطنها الإرهابيون. مواجهات عرسال وهجوم “بريتال”، ليسا سوى بروفات للفيضان الكبير.

إغراء العنف والفوضى يتفوق على سواه من قيم مجتمعية كنا نظن أنها راسخة في مجتمعاتنا. ما من طرف أهلي في المشرق اليوم كله ينشد السلم والتعايش؛ صراع الهويات وفقه العصبيات يشكلان سيلا هادرا يجتاح البنى الاجتماعية، ويغرق في بحره الجميع.

وفي مثل كل الظروف التي تحل فيها الكوارث، يتخلى البشر شيئا فشيئا عن جوامعهم وروابطهم وكياناتهم الوطنية. حدود الهويات تصغر. لم يعد الكردي العراقي يدافع عن حدود العراق؛ صارت البلدات الصغيرة في الإقليم هي حدود الوطن. وعلى نفس الشاكلة يتصرف العراقي في الفلوجة والرمادي، ورجل الدين الشيعي في النجف. “كوباني” الحارات هي الأوطان في معركة الشوارع مع “داعش”. وفي مخيمات اللجوء السوري، اللاجئ مستعد لقتل شقيقه دفاعا عن خيمة تؤوي أسرته؛ الخيمة صارت وطنا وحدودا تستحق التضحية من أجلها!

المسيحي والأزيدي في العراق كفرا بالحدود والأوطان، بعد أن قذفهما طوفان المياه خارج بلدهما في غمضة عين. حلمهما وطن في المهجر.

يستحيل أن تصمد الحدود في وجه الفيضان بعد أن انهارت كل السدود. كي تصمد فعلا، تحتاج من قبل ومن بعد إلى سدود اجتماعية وثقافية قوية. لكن أين هي هذه السدود في المشرق العربي؟ لقد انهارت دفاعات المجتمعات قبل أن يصل الطوفان، وتكشفت في أكثر من بيئة مشرقية أوهام التعايش والمواطنة، والدولة المدنية.

تثبت حالة المعارضة في سورية، مثلا، أن الأزمة في المجتمعات لا في الأنظمة؛ وإلا بماذا نفسر ولادة أكثر من ألف فصيل مقاتل في بلد واحد، كان يعد نفسه رمزا للعروبة والوحدة؟! فصائل تتقاتل مع بعضها أكثر مما تقاتل عدوها “النظام”، وتشتري وتبيع في شعبها قبل أن تحسم معركتها الكبرى. ونظام “رمز العروبة” مستعد لتأجير الدولة لقوة خارجية مقابل الاستمرار في السلطة.

المجتمعات الآمنة والمستقرة هي فقط التي لم يصلها الفيضان. حالما نسمع هدير المياه، ستعرفون طينة تلك المجتمعات.

الغد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.