كوستيال.. على ماذا تهنئ؟!
بصراحة، لا أدري على ماذا تهنئ رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي، كريستينا كوستيال، الحكومة!
أياً يكن، فإن تهنئة المسؤولة الدولية لرئيس الوزراء، يوم الخميس الماضي، بما اعتبرته “نجاحات” حققها برنامج الإصلاح الاقتصادي الأردني، يمكن أن تُقرأ بأكثر من اتجاه؛ فهي حمالة أوجه كما يقال.
التفسير الأول، أنها تعبر عن تقدير سياسي وتفهّم لحالة التوتر وعدم الاستقرار السياسي والأمني التي يمر فيها الإقليم، ومدى تأثير ذلك على الأردن؛ بحيث تبدو كوستيال كمن يتفهم محدودية إمكانات الأردن في مواجهة ما يحدث على حدوده الشرقية والشمالية خصوصاً، وانعكاسات ذلك الاقتصادية. ومن ثمّ، تم تقييم ما نفذه الأردن خلال الفترة الماضية على اعتبار أنه إنجاز كبير يستحق التهنئة والمباركة.
أما التفسير المقابل، و”اللئيم”، فيتمثل في أن كوستيال تتعامل مع الاقتصاد الأردني، أو القائمين عليه للدقة، بما يشبه الطالب الكسول الذي أخفق في تجاوز الامتحان لسنوات، فلجأ إلى مؤسستها لإنقاذه من أخطاء الماضي. ولذا، تجدها تحفّز هذا الطالب المقصر رغم محدودية قدراته؛ كمن يدعوه للاجتهاد، عله يتشجع على تحقيق خطوات أكبر مستقبلاً.
كوستيال ترى أن “الإصلاحات أثمرت في تحسين وضع الاقتصاد الأردني”. لكن الخبر المقتضب الذي خرج بشأن استقبالها من قبل الرئيس د. عبدالله النسور، لم يشرح لنا ما هي التحسينات التي تتحدث عنها المسؤولة الدولية، فيما أحوال البلد تسير من سيئ إلى أسوأ!
وإذ اعتبرت خلال اللقاء ذاته أنه “بالرغم من الظروف الإقليمية الصعبة، فإن الأردن يحقق مؤشرات جيدة؛ فالنمو يزداد”، إلا أن ممثلة “الصندوق” استدركت بالقول إنه نمو ليس ضمن “الحد المأمول، حيث وصل إلى نحو 3 %”، مع إشارتها إلى احتياطات البنك المركزي من العملات الأجنبية بوصفها “معقولة”، مع أنها في الحقيقة في “مستويات قياسية” خلال هذه الفترة، بغض النظر عن الأسباب.
بصراحة، نتوقع من حكوماتنا أن تبالغ وتتجمل. أما أن تأتي المباركة والتهنئة اللتان حملتا بين طياتهما مجاملة كبيرة، من مؤسسة اقتصادية دولية يُفترض فيها الحياد، فإن هذا ما يحتاج إلى تفسير.
إذ لا ندري على ماذا تبارك كوستيال؛ على ارتفاع عجز الموازنة العامة الذي سيقفز عن ملياري دينار مع نهاية العام (شاملا العجز المتأتي من فاتورة الكهرباء) أم على ارتفاع الدّيْن العام إلى حدود خطرة تكاد تقضي على منجزات الماضي، بعد أن تجاوزت قيمته 20 مليار دينار حتى الآن؟! كذلك، لا نعلم ما إذا كانت ممثلة “الصندوق” قد فكرت في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة خلال الفترة الماضية، وما إذا توقفت عند تراجع كثير من المؤشرات الاقتصادية الحيوية الأخرى.
في الظروف السياسية المحلية والإقليمية الاعتيادية، ما كان “الصندوق” ليتساهل مع الحكومة على نحو ما هي عليه الحال اليوم؛ فالحكومة، ولأسباب مختلفة، لم تلتزم بالخطة المتفق عليها مع “الصندوق”، والتي كانت تقضي بإقرار قانون الضريبة خلال الربع الأول من العام الحالي. كما أن الحكومة لم تتمكن من معالجة بنود في الموازنة العامة تعتبر تشوهاً من وجهة نظر “الصندوق”، وتضم مختلف أشكال الدعم التي تقدمها الخزينة العامة، وتقدرها الأرقام الرسمية بنحو ملياري دينار؛ جلها للكهرباء، وتضاف إليها بنود أخرى، مثل الصحة والخبز والأعلاف وغيرها.
رغم كل ذلك، ربما تبارك كوستيال وتهنئ لأن الاقتصاد بكل مشاكله، ما يزال قادرا على تجنب أزمة مجلجلة كتلك التي وقعت قبل أكثر من عقدين، و/ أو ربما لأن المسؤولين يتعاملون مع “برنامج الإصلاح” بنوع من التقديس، منذ أُقر بالاتفاق مع “الصندوق”؛ ما يجعل الأردن أنموذجا لدى هذا النوع من المؤسسات في الالتزام بالإصلاحات المطلوبة، وتحديدا فيما يتعلق بتحرير أسعار المشتقات النفطية، وهي العملية التي “عَدّت على خير”، كما يقال، رغم ما واكبها من أحداث.
الغد

