صحيفة الكترونية اردنية شاملة

ذهب عجلون

0

حالة التطرف الفكري في المجتمع بازدياد جنوني، ومع وسائل التواصل الاجتماعي وإتاحة الفرص لكل المواطنين للتعبير عن ارائهم، باتت غالبيتهم علماء وخبراء وإعلاميين ومنظرين وقضاة وما الى ذلك من أوصاف تراها في صفحات التواصل الاجتماعي، التي جعلت من الأردنيين شعب متعدد المواهب.
مشاهد التطرف الفكري تجلت في اليومين الماضيين على كل مستويات وفعاليات المجتمع تقريبا، فعمليات الردم لاحد الطرق في عجلون تحولت، بمجرد ان انتهت وغادرت الآليات المكان، الى شائعات حول اكتشاف كميات ليس لها نهاية من الذهب والتماثيل والصناديق التي لا تحصى، وأن اجهزة الدولة هي التي اشرف على العملية بتستر شديد، وأخفت الذهب تحت حجة اعمال الصيانة لاحد الطرق، وأنه تم تفريغ المكان من صناديق الذهب حتى ساعات الفجر، و”طمرت” المكان وأخفت الآثار.
تتحول هذه الشائعات الى احاديث غالبية المواطنين، لا بل تصبح المادة الرئيسة على كل صفحات التواصل الاجتماعي، وتظهر صور تماثيل وصناديق وسبائك وكنوز وغيرها من الصور التي يتم تداولها على اعتبار انها اكتشفت في ارض عجلون واخذتها الجهات الرسمية دون علم اهلها.
الامر لا يقتصر عند هذا الحد، بل يتحول المشهد الى السادة النواب الذين يبدأون بتوجيه سيل من الاسئلة الى الحكومة يطالبون فيها بكشف الحقيقة وإرجاع “ما حصلت عليه من ذهب ومسكوكات وصناديق”.
ويخرج علينا اصحاب الارض ويطالبون هم الاخرون بذهبهم “المنهوب من ارضهم”، ويتحول غالبية السكان في تلك المنطقة الى “بحاشين” عن الذهب والصناديق.
ثم تبدأ بعض المواقع الالكترونية بسرد افلام وقصص عن الحادثة في تقارير دراماتيكية، يطعمونها بصور مختلفة، وبطالبون بالتحقيق بالامر، ويهددون، ويثيرون المجتمع، ويعبؤونه نفسيا، بأنه تمت سرقة ذهبكم، الذي تتجاوز قيمته 10 مليارات دينار، معبأة بأكثر من 300 صندوق ذهب تم اكتشافه ونقله على متن شاحنات خاصة.
كل هذا يحدث والحكومة تنفي مرارا وتكرار ان يكون هناك اي اكتشافات اثرية في المنطقة، وان ما جرى هو اعمال حفرية لطرق رئيسية ولا صحة لا من قريب ولا من بعيد لما يتحدث عنه المواطنون، وان كل ما يدور حول اكتشاف الذهب هو مجرد اشاعات.
هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تداول أنباء عن اكتشافات اثرية تحتوي على مقتنيات ثمينة، ومصادرة الحكومة لها وعدم إعلانها عن تفاصيلها، فقد سبق ذهب عجلون، آثار في الطفيلة والكرك واربد والسلط وعمان ومقتنيات في راس العين وعشرات المناطق الاخرى التي تم الحديث فيها عن اكتشافات ثمينة.
في كل المرات عوامل الشبه معروفة، فالناس يتحدثون عما يسمعونه، ولم يقم أي شخص بالإدلاء بحديث يؤكد أنه رأى بأم عينيه تلك المقتنيات، وأنه تم نقل هذه المقتنيات بحراسة امنية مشددة وعلى متن شاحنات؛ فهل يعقل ان لا يتم تسريب اي شيء حقيقي عن تلك الاثريات من الجهات الحاملة، خاصة في ظل تقدم وسائل النقل والتصوير وما الى ذلك من تقنيات باتت متاحة عند الجميع؟
ولماذا لم يتم لغاية الآن اظهار اية صورة لتلك المقتنيات بالشكل الصحيح دون ان يتم التلاعب بها، كما يحدث اليوم في بعض المواقع الالكترونية التي تلهث وراء اخبار الاثارة والفتنة؟
قصة ذهب عجلون في حقيقتها تكشف مدى فقدان الثقة بالخطاب الحكومي وعدم تصديق اي معلومات يدلى بها حتى ولو كانت صادقة، وتظهر مدى الحاجة الى تنظيم الخطاب الاعلامي في مختلف وسائل الإعلام وتهذيبه وتبويبه ليصبح خطابا عقلانيا متقصيا الحقيقة ولا يروج للشائعات، حالة مؤسفة ما وصل إليه المواطنون: تطرف فكري نتيجة ضغط الحالة الاقتصادية وتدهور الامن المعيشي.
[email protected]
[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.