هاني فحص: مرارة الرحيل الآن!
بطعم المرارة والحزن، استقبلت شريحة واسعة من المثقفين والسياسيين واللبنانيين أمس، خبر وفاة العلاّمة الشيعي هاني فحص، الذي يمثِّل، بحق، أنموذجاً استثنائياً نادراً في العالم العربي والإسلامي اليوم.
لا تقف أهمية فحص وخطابه وفكره عند حدود أنّه عالم شيعي يتجاوز الأسوار والحدود الطائفية، ليرسّخ قيمة الوطن والمواطنة وسيادة القانون بوصفها الأساس الحقيقي في بناء الدول والمجتمعات، وليس فقط لرؤيته النقدية للتطرف الشيعي، كما التطرف السنّي، بل لأنّنا أمام أنموذج من العلماء يؤمن تماماً بأهمية العقل والانفتاح والحوار والتجديد والإصلاح الديني!
صحيح أنّ موضوع الشيعة والدولة في لبنان مثّل الشغل، بل الهاجس الذي أخذ جزءاً كبيراً من وقت الراحل العزيز، كما يعترف هو نفسه، واضطر إلى الاصطدام بحزب الله والتعصب الشيعي في أغلب الأوقات؛ إلاّ أنّه من الظلم الكبير أن نختزل عطاء العلامة فحص وروحه وأنموذجه بهذا المجال فقط، فمساهمته تمتد إلى جوانب الفقه والشريعة والفكر والفلسفة، بل حتى المثال الأخلاقي المطلوب، والمفقود اليوم في فضاءاتنا الفكرية والثقافية!
بالرغم من ذلك، فمن الضروري الإقرار اليوم بأنّ الشعور بخسارتنا الفادحة له في هذا التوقيت، يكمن في أنّه كان جريئاً شجاعاً، بل كربلائياً، عندما وقف ضد التطرف والتعصب الطائفي، ما جعله يشعر في العديد من الأوقات، كما أخبرني بنفسه، بالغربة والأسى حتى وهو في مجتمعه ومقيم بين أهله، لأنّه، وهو العالم والمفكّر والفقيه، يتحدث خارج السرب وبعكس التيار الجارف، ما جرّ عليه عداوات وخصومات وتهديدات لا تخفى.
ليس هناك من يقدر على التعريف بشخصية فحص وفكره أكثر من نصوصه هو؛ فهو صاحب الكلمة الفصيحة المعبّرة الذكية. ولا أجد ما يكشف لكم شيئاً عن روحه إلاّ هذا الاقتباس القصير من بعض ما كتبه: “لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما تزوجت ولا أنجبت، وتفرغت للكتابة، أكتبكم فأكتبني وأكتبني فأكتبكم وجعاً ورجاءً، وطناً وأهلاً.. لا تصدقوا.. لو لم أتزوج وأنجب ما كتبت، لو لم أتزوج لم أدرك تماما موقع المرأة في نظام الحياة والقيم، ولم أصل إلى الصورة التي كونتها عما تعانيه من ظلم وتهميش وافتئات، رغم مركزيتها في عمارة الحضارة والدين والثقافة والاجتماع والفن..”.
“ولو أني لم أنجب لم أكن لأعيش هذا القلق المستبد المبدع في الأجيال التي تنمو بين أعيننا في هذه المساحة المحتشدة بالنار والخضرة والرماد، ولم أدرك موقع اقدام الأطفال الحلوة ووقعها في اللحظة الشفافة بين النوم واليقظة، وإيقاعها الآسر في المطرح المعشب بين العقل والقلب، وملعبها في الممر المعتم بين الحاضر والغد، وإشكاليتها العالقة بين التربية والتنمية، بين اللغة والحاسوب… ولكانت الإشراقة في كل ما أكتب، إن كتبت، أقرب إلى العتمة، وما كانت العتمة مخزنا للضوء… ولما كنت انتهيت إلى قناعتي بأن مجتمعا يظلم الطفل والمرأة، بحجة الدين أحياناً، مستعيداً من البداوة أسوأ مقتنياتها مسقطا بداوته على الشرع والعقيدة؛ مجتمعا هذه حاله، لن ينهض، لن يكون بمقدوره أن ينهض، وإذا ما نهض قليلا عاد فتردى كثيرا إلى أن تبلغ حاله ما نحن عليه… وهل من داع لأن ينهض مجتمع ما على جثة نصفه أو ثلثيه أو ثلاثة أرباعه، أو جميعه في المحصلة؟ على جثة الحب والغد؟ أرأيتم إلى الغد كيف يصبح ماضياً ميتاً عندما نأتي إليه من ماضٍ مغلق؟”.
الغد

