صحيفة الكترونية اردنية شاملة

حكومة لا تتذكر ونواب لا يُمثلون.. اما المواطن فيتطلع الى الملك‎

0

قبل ايام عندما نُشرت الورقة النقاشية الخامسة للملك لم تقابل بالاهتمام الذي تستحقه من أوساط الرأي العام ذلك ان ما كان يسيطر على اهتمام الاردنيين ومداولاتهم هو ( تقاعد أعضاء مجلس الأمة ) ، فالسخرية والغضب سيطرا على المزاج العام وسط توارد الأسئلة : اذ كيف يمنح الملك هذا الدور الكبير لمجلس نواب من اجل الوصول بالنظام السياسي ( كما تقول الورقة النقاشية ) الى قيام حكومة اغلبية نيابية وحكومة ظل معارضة تراقب وتحاسب ، فيما ينشغل هذا المجلس بتحقيق المكاسب لأعضائه في وقت بلغت فيه المديونية أرقاماً كبيرة وتنامى الاقتراض بما يفرض تخفيض النفقات لا زيادتها .

هذا التضامن الحكومي النيابي لتمرير قانون تقاعد لأعضاء مجلس الأمة اثار عاصفة من الاستهجان في وسائل الاتصال الاجتماعي وفي لقاءات الناس . اذ كيف نكون كدولة ومجتمع سائرين على طريق الاصلاح بالاعتماد على مثل هذه الحكومة وعلى مجلس نيابي يجد وقتا كافيا لبحث شؤون أعضائه الخاصة ، فيما تسود المخاوف ويسيطر القلق على دول الإقليم وشعوبها من هذا التسابق الدولي السياسي والعسكري المحموم لإطلاق حرب جديدة ( الاردن في مقدمة التحالف الدولي لشن هذه الحرب ) حرب قد تًعرف بداياتها لكن لا يًعرف متى تنتهي .

قلب الملك الطاولة برده لقانون التقاعد المذكور وأعاد بذلك الثقة الى برنامج الاصلاح الذي يتطلع اليها جلالته في أوراقه النقاشية . غير ان هذا الحدث يستحق ايضا وقفة فاحصة تسلط الضوء على الواقع البائس لحكومة النسور ، ولانه يقدم مثالا صارخاً لما هو متداول بين الناس من انتقادات وملاحظات مجبولة بالمرارة والاستغراب تتلخص : بان ما يرسله الملك الى الحكومة من توجيهات و روئ وخطوط عمل للإصلاح الشامل لا تترجم الى خطط وقرارات ادارية وتشريعية على الارض ، الذي يحصل هو العكس ، ومشروع قانون ( التقاعد ) الذي سقط هو الدليل بان الحكومة لا تتذكر توجيهات جلالته . وكيف لها ذلك !. وهي التي فاجأت رأس الدولة والشعب بمشروع تقاعد مستعجل لمجلس الأمة وفي جدول اعمال دورة استثنائية ، فيما كان عليها ، وقد ملكت الوقت الكافي ، ان تعد (مشروع قانون شامل للتقاعد في الدولة ) كان الملك قد كلفها به قبل عامين !.

في سياق متصل كتب الملك في ورقته النقاشية الخامسة ما يلي ” لنتذكر جميعا ان الهدف النهائي لعملية الاصلاح السياسي الشامل النابعة من الداخل يترجم من خلال تمكين المواطنين من القيام بأكبر دور ممكن في صنع القرار عبر ممثليهم المنتخبين ، وعليه فان تعميق ديموقراطيتنا يترجم عمليا عبر تعميق تجربة الحكومات البرلمانية ، لنصل بها الى مرحلة متقدمة من الممارسة التي تتولى فيها الكتلة الحزبية ، او الائتلافية ذات الأغلبية النيابية ، أو ائتلاف من الكتل ، تشكيل الحكومات في حين تتولى الأقلية مهام حكومة الظل من رقابة الحكومات ومسائل تهدأ “.

ومن باب نقاشٍ لم أعد متحمساً له حول الاصلاح أقول : ان الاردن سيرسل إنسانا الى القمر قبل ان نصل الى الهدف النهائي لعملية الاصلاح السياسي خاصة بوجود حكومة النسور التي أضاعت عامين كاملين على وأد الاصلاح ولم تتقدم بخطوة إصلاحية سياسية واحدة تحسب لها . ان السير على خارطة الطريق الإصلاحية التي تمثل روئ جلالته في أوراقه الخمسة تتطلب حكومة قادرة على قيادة التغيير وحشد الرأي العام لفرض تشريعات نيابية تتلاءم مع الطرق الموصلة الى الهدف . مثل تخليص البلد من قانون انتخاب وجه ضربة مميته للإصلاح السياسي وجعل الحديث عن حكومة اغلبية برلمانية في الأفق مجرد ضرب من الأحلام .

قانون الانتخاب الذي انتخب عليه المجلس الحالي لم يكن إنجازا كما ذكرت الورقة النقاشية لانه قفز فوق توصيات وتفاهمات لجنة الحوار الوطني ، وعلى ما سبقها من توصيات في الأجندة الوطنية ، التي لو نفذت لكانت أعطت أملا للمواطنين بانهم سيحصلون يوماً على دور في صنع القرارات عبر ممثليهم . المشهد الراهن في مجلس النواب يثبت بان هذا القانون فشل في إيصال اي كتل حزبية او ائتلافية ” صلبة ” حتى لو كانت صغيرة الى القبة . ولو انه قانون يجسد قوة المجلس وصلاحياته الدستورية لكانت الحكومة الحالية غير موجودة من زمان ، هذا القانون اضعف مجلس النواب وجعل الناس يحمّلون النواب مسؤوليات هم غير قادرين على تحقيقها ، لانه مجلس ال (١٥٠ نائب ) جاؤا في غالبيتهم العظمى كأفراد لا ضمن قوائم انتخابية ، هذا العددالكبير من النواب جعل من الصعوبة تجميع اي اغلبية بمواجهة حكومة النسور ، لأن (كتلهم غير صلبة ) وبدون برامج وتقوم على تكريس الفردية لا على بناء الائتلافات البرامجية القوية والمستقلة المقاومة لكل ترغيب او ترهيب . عدد النواب الكبير وواقع العمل الفردي بين صفوفهم سهل على السلطة التنفيذية أضعافهم ( كما ظهر في محاولات حجب الثقة الأربعة ) الفاشلة ، لقد عجزوا حتى عن فرض مشاركتهم في الحكومة ، وللإنصاف فان النواب لا يلامون على أخطائهم . لأنهم أبناء قانون يبعثر عُصيّهم ، فيصعب جمعها ، ويسهل كسرها .

ومن باب النقاش أُجمل الرأي التالي حول الورقة النقاشية الخامسة بالقول : أوضاعنا وأوضاع الإقليم الملتهبة من حولنا التي تجعل من المشرق العربي ساحة لحرب دولية جديدة ستدفع الشعوب ثمنها غاليا ، لا تسمح بترف الجدل حول النظريات التي تقود الى الاصلاح ، لنؤجل النقاش فالمطلوب ، عاجلا وليس آجلاً ، هوالعمل الجاد على ( تحصين البيئة الوطنية ضد الارهاب والتطرف ) وضد نعرات الانقسام والتخندق لصالح أطراف خارجية ، بدل رص الصفوف خلف الدولة والجيش والأمن ، وهذه عملية متشعبة وشاملة تحتاج الى استنفار الوعي وتظافر الجهود على المستوى الشعبي والرسمي والوطني العام ، هذا التحصين لا يتم فقط بالاستعدادات العسكرية والخطط الأمنية انما بامتصاص حالات الغضب والسخط التي تحكم العلاقة بين المجتمعات المحلية من جهة وبين الحكومة ذلك ان طبيعة مخاطر الحرب الدائرة من حولنا التي لن تنتهي بعام او عامين هو سرعة انتشارها وتعدد مفاجاءاتها ، وحمى الله الاردن .

الوصول الى مجلس نواب منتخب على قانون انتخاب توافقي يجمع الاردنيين ويعيد اليهم الثقة بمجلسهم التشريعي هو اكبر حصانة أمنية للبلد ، والأمر ينطبق قبل ذلك على ضرورة وجود حكومة جديدة تعيد بناء هيبة ومصداقية السلطة التنفيذية ، وتمحو آثار معاناة الاردنيين من حكومة النسور ، التغيير الحكومي لصالح حكومة جامعة ومبادرة هو ايضا حصانة أمنية مطلوبة للبلد ضد الارهاب وبمواجهة اقليم يتحول الى ساحة حرب دولية .

الأردنيون لا يريدون نقاشا لا اثر له على ارض الوطن ، انما هم يتطلعون الى الملك وينتظرون منه قرارات مباشرة تنجز وبأسرع وقت لتلبي حاجات المرحلة الحرجة وضروراتها الوطنية والأمنية (وهي صنع بيئة أردنية غير حاضنة للارهاب والتطرف ) اي بإعادة صياغة الجبهة الداخلية . انهم يتطلعون الى هذا لان الملك هو من يقود ، وهو من يملك القدرة الدستورية والشرعية على التغيير بعد ان نضب أملهم في مجلس أمة يمثلهم ، وبعد ان طالت معاناتهم من حكومة مبدعة في جلب السخط والغضب العام ولا تفكر الا بأساليب الجباية العثمانية والدليل مشروع قانون ضريبة الدخل الجديد .
[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.