كيف نخرج من ‘هنا’؟!
لا نعرف بعد لماذا اعتذر رئيس الوزراء د. عبدالله النسور، في الساعات الأخيرة، عن عدم حضور مؤتمر “المسألة الطائفية وصناعة الأقليات”، والذي نظمه على مدار الأيام الماضية المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع منتدى الفكر العربي؛ فيما إذا كان السبب سياسياً، كما تمّ تفسيره؟ وإذا كان كذلك، فلماذا منح الرئيس الموافقة في البداية، ثم اعتذر في الوقت الضائع؟!
على أيّ حال، وأيّاً كان “التبرير” الرسمي، فإن المؤتمر كان فرصة مهمة وجيدة للحكومة لتقديم الرؤية الأردنية بشأن هذا الموضوع المهم على الصعيدين العربي والإقليمي؛ أي الطائفية والأقليات والتطرف والعنف، أمام حضور جيد ونخبوي من المثقفين والباحثين والمؤرخّين العرب المعروفين.
بالعودة إلى وقائع المؤتمر، فقد جاءت أوراقه ونقاشاته لتشريح الأبعاد المختلفة لموضوع الطائفية، أو ما سمّاه الخبراء بـ”تطييف” المنطقة العربية، وسؤال “الأقليات”، سواء في أبعاده السياسية أو الحضارية أو حتى جذوره التاريخية، وسياسات الهوية؛ مع دراسة حالات متعددة، مثل الطائفية في سورية والعراق ولبنان والخليج، وسؤال الأقليات في مصر ودول عربية أخرى.
ربما من النتائج المهمة التي يمكن استخلاصها من المؤتمر، وهي التي تعيد التعريف الصحيح بسؤال انفجار المشاعر الطائفية، تتمثّل في أنّ الاستبداد هو السبب الرئيس والمباشر والمدخل المنهجي الموضوعي لدراسة ما تعيشه المجتمعات العربية والمسلمة اليوم. فحركات العنف والمشاعر الطائفية ليستا حكراً على جهة دون أخرى، وهي عابرة للمجتمعات العربية والمسلمة، وهناك مثيلات لها في المجتمعات والحضارات الأخرى، وهي في مجملها تعكس أزمات سياسية أو اجتماعية أو نفسية.
من أبرز الإشكاليات التي تناقش بشأنها الخبراء العرب، تلك التي تتمثّل في السؤال حول ما إذا كانت الطائفية في صورتها الراهنة طارئة جديدة، أم أنّها ذات جذور تاريخية وامتداد طويل في خبرتنا الاجتماعية والسياسية؟ وهل النظام السياسي القائم على الاعتراف بالطائفية الاجتماعية وتسييسها ودسترتها، سيكون النموذج المطروح لدول أخرى في المستقبل، مثل سورية والعراق، بخاصة أنّه مطبق ضمنياً وبصورة شبه علنية في العراق؟
السؤال المهم بعد تشريح الحالة الطائفية وتجلياتها وآفاقها المختلفة، يتعلق باستراتيجيا الخروج منها للوصول إلى مرحلة أفضل أو مختلفة، بدلاً من المسار الراهن الذي لن يؤدي ضمن الوضع القائم إلاّ إلى مزيد من التقسيم والدماء والمآسي، وربما تقسيم جديد للمنطقة على خطوط النار الطائفية والعرقية والدينية.
أغلب الباحثين والخبراء اتفقوا على أنّ دولة المواطنة والقانون والديمقراطية والإصلاح، بما فيه الإصلاح الديني والتنوير الفكري، هي مفاتيح العلاج الناجع لداء الطائفية. وذلك صحيح تماماً. لكن ما كنّا نريد سماعه من “الخبراء العرب”، هو ما يتصل بتلك الفجوة بين الواقع الراهن والعلاج الموصوف؛ أي كيف يمكن الانتقال نحو دولة المواطنة والقانون والديمقراطية والعدالة الاجتماعية؟ وكيف يمكن أن نتجاوز الواقع الراهن ونخرج منه؟
خلاصة القول؛ من الجيد والمفيد أن نتناقش بعمق في سؤال: كيف وصلنا إلى هنا (هذا المستنقع!)؟ وأن نعرّف الحالة البديلة المطلوبة لذلك. لكن المطلوب أيضاً تقديم رؤية واقعية عميقة (خريطة طريق) في الإجابة عن السؤال الأكثر أهمية على صعيد مصيرنا ومستقبلنا: كيف نخرج من هنا؟!
الغد

