مأزق الوصاية
طالب أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي محمد الزيود، في رسالة بعثها إلى رئيس الوزراء د. عبدالله النسور، الأردن، وبحكم ولايته الدينية على المقدسات الإسلامية في القدس، بأن “يكون أكثر إيجابية لردع الاعتداءات الغاشمة والانتهاكات الخطيرة” بحق المسجد الأقصى تحديدا، والمهدد بالتهويد عبر سياسة إسرائيلية مبرمجة، والمعروفة بمشروع التقسيم الزماني والمكاني للحرم القدسي الشريف بين المسلمين واليهود. وفي المقام نفسه، طالب الزيود بإلغاء معاهدة وادي عربة، وطرد السفير الصهيوني من عمان.
السيد الزيود لم يلتفت إلى أن ما سماها بالولاية أو “الوصاية” الأردنية “الهاشمية” على المقدسات في القدس، مُنحت للأردن بموجب نص في معاهدة وادي عربة. وفي حال إلغاء المعاهدة، يسقط تلقائيا حق الأردن في رعاية المقدسات الواقعة فعليا تحت الاحتلال الإسرائيلي.
لكن هذا ليس موضوعنا. الأهم أن رسالة الزيود ما هي إلا عينة بسيطة ومخففة على ما يتعرض له الأردن من ضغوط لإنقاذ “الأقصى” والمقدسات من التهويد الإسرائيلي، ولا تقارن مع ما يمكن أن تكون عليه ردود الفعل في حال مضت إسرائيل في مخططاتها لتقسيم المسجد الأقصى مكانيا وزمنيا؛ وهي ماضية بالفعل حسب كل المؤشرات.
ما هي الخطوات التي يمكن للأردن أن يتخذها لوقف مخططات التهويد؟
أن يلجأ للأمم المتحدة ومجلس الأمن لردع إسرائيل؟ لجأ من قبل العرب كلهم للمنظمة الأممية، ولم تمنحهم شيئا يذكر؛ قرارات على الرف، وإن اقتضى الأمر “فيتو” أميركيا يحطم كل الآمال. هل يراهن على “اليونسكو”، مثلا، لتتدخل حفاظا على التراث الإنساني؟ هذه نكتة تجلب السخرية لنا.
أن يدعو لقمة عربية طارئة لحماية القدس والمقدسات؟
لا أعتقد أن مسؤولا أردنيا واحدا يراهن على القمة. وما الجديد في القمة التي انعقدت مرات من قبل، ولم تغير شيئا في الواقع؟
ولنفترض أن إسرائيل المتجهة أكثر وأكثر نحو اليمين المتشدد، ذهبت بعيدا في مخططاتها، وهي ذاهبة من دون تردد؛ هل يقدم الأردن على إلغاء معاهدة السلام معها؟
عندها سيسقط حقه، وفق القانون الدولي، في الوصاية على المقدسات. وإن لم يفعل ذلك، سيتعرض لهجمة شعبية محلية وعربية، أقل ما يقال فيها إن المقدسات ضاعت وتهودت وهي تحت وصايتنا.
وكيف بمقدور بلد أن يلغي المعاهدة مع إسرائيل من أجل المقدسات، بينما يدخل معها في شراكة اقتصادية عبر مشاريع استراتيجية، مثل أنبوب الغاز وقناة البحرين؟ هذه ليست مصانع يمكن تفكيكها، بل بنى تحتية يعتمد عليها الاقتصاد الوطني.
لقد وضعتنا الوصاية في مأزق، بعد أن مضينا بعيدا في تعزيز سلطتنا المعنوية على المقدسات، وتحملنا المسؤولية الأخلاقية عنها. لا يمكن أن نتخلى عن هذه المسؤولية الآن، خاصة بعد توثيقها بعقد جديد مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس. لكننا في الوقت ذاته نعلم أن هذه السلطة لا قيمة لها في العقل الإسرائيلي المتشدد، ولن تأخذها في الاعتبار لفترة طويلة.
الوصاية مأزق، ينبغي التفكير في مخرج لائق منه، قبل أن يداهمنا الوقت، وتُلصق بالأردن تهمة التآمر على القدس مرة ثانية.
الغد

